ابن قيم الجوزية

11

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

ينفسخ ، ولهذا بقيت نساؤه معصومات مصونات من قربان الغير لهن ، فلا يحل لأحد من الناس أن يتزوج بواحدة منهن أبد الدهر لقوله تعالى : وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً [ الأحزاب : 53 ] وبقاء عقد النكاح وعدم انفساخه وحرمة تزوج غيره بواحدة من نسائه دليل حياته وعدم موته . وأما الحجة الثالثة فهي ما رواه أنس رضي اللّه عنه في حديث الاسراء من أنه صلّى اللّه عليه وسلّم مر بموسى ليلة أسرى به وهو قائم بقبره يصلي ، ولا شك أن الصلاة حركات وأقوال لا يعقل أن تحصل الا من حي ، ونسبتها إلى الميت عين المحال . وأما الحجة الرابعة فهي ما روى عنه صلّى اللّه عليه وسلّم من قوله « ما من أحد يسلم عليّ الا رد اللّه عليّ روحي حتى أرد عليه السلام » ولا شك أن رد السلام من شأن الأحياء لا من شأن الأموات . وأما الحجة الخامسة فهي ما جاء به الحديث من أن الرسل عليهم السلام أحياء في أجداثهم ، ومن أن أعمال أمته تعرض عليه في يومي الخميس والاثنين من كل جمعة . هذه جملة ما احتج به القبوريون على حياته صلّى اللّه عليه وسلّم في قبره ، وقد تدرجوا من ذلك إلى إثبات الحياة في القبر لغيره أيضا من الأولياء والصالحين ، وسيأتي الرد عليهم في الفصل الذي يلي هذا ، ولكننا نجمل الرد عليهم بأن حياة الشهداء ليست حياة في قبورهم ، ولكن عند اللّه عز وجل ، كما قال عند ربهم يرزقون وبأن بقاء عقد نكاحه عليه السلام بأزواجه وحرمتهن على غيره لا يقتضي حياته بل هي خصوصية اختصه اللّه بها ، فان أزواجه أمهات المؤمنين ، أي كأمهاتهم في الحرمة ووجوب التوقير . وأما حديث أنس فلم يصح رفعه ، بل هو موقوف ، ولو صحّ لم يقتض حياة موسى في قبره ، بل يحمل على التمثيل كما تحمل رؤيته له في السماء السادسة ومخاطبته له بقوله ( فرض اللّه عليك وعلى أمتك ؟ وقوله له : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ) الخ ، فإن ذلك كله من أمور الغيب التي نؤمن بها ولا نعلم