ابن قيم الجوزية
58
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
مجاري أقدار اللّه عز وجل وما تعلقت به مشيئته من اختلاف الناس في غي وإيمان . واجعل لقلبك مقلتين كلاهما * بالحق في ذا الخلق ناظرتان فانظر بعين الحكم وارحمهم بها * إذ لا ترد مشيئة الديان وانظر بعين الأمر واحملهم على * أحكامه فهما إذا نظران واجعل لوجهك مقلتين كلاهما * من خشية الرحمن باكيتان لو شاء ربك كنت أيضا مثلهم * فالقلب بين أصابع الرحمن الشرح : إذا كان اللّه عز وجل قد أجرى مقاديره على العباد وحكم فيهم بما شاء من كفر وإيمان ، وهو مع ذلك قد أمرهم جميعا بالإيمان والطاعة ، فيجب أن ينظر الانسان إلى الخلق تبعا لذلك بنظرين مختلفين ، نظر بعين الحكم النافذ والقدر السابق ، فيرجمهم ويرثي لهم لعلمه أن حكم اللّه وقدره لا راد له ولا دافع ، ونظر بعين الأمر الشامل لجميع المكلفين ، فيجاهدهم في ذلك ويغلط عليهم حملا لهم على أمر اللّه عز وجل وحكمه الديني ، فهذان نظران مختلفان ، ولا يلزم من ذلك الاختلاف التناقض ، فإن جهة كل منهما مخالفة للآخر ، وإنما يكون التناقض عند الاتحاد . ويجب على العبد كذلك عند نظره إلى اختلاف الناس في الهدي والضلال أن يستفرغ الدمع من عينيه باكيا من خشية اللّه عز وجل ، شاكرا له نعمة الهداية والتوفيق ، إذ لو شاء اللّه لكان هو أيضا مثلهم ، فإن القلوب بين إصبعين من أصابع اللّه عز وجل يقلبها كيف شاء ولهذا كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يكثر أن يقول في دعائه « اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك » . واحذر كمائن نفسك اللاتي متى * خرجت عليك كسرت كسر مهان وإذا انتصرت لها فأنت كمن بغى * طفي الدخان بموقد النيران