ابن قيم الجوزية

35

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

محض . وهذا جهل منه بالبدء ، فان اللّه لم يبدأ هذه الأجسام من عدم محض ، بل من مواد وعناصر موجودة فعلا أحالها من حال إلى حال ، وهذه سنته سبحانه في الخلق أنه يحيل الأجسام بعضها إلى بعض ، ويقلبها من طور إلى طور ، وهكذا ستكون الإعادة . وكانت مقالة الجهم هذه هي التي حملت ابن سينا وشيعته من المتفلسفة إلى الكفر بالبعث وانكار حشر الأجساد ، لأنهم ظنوا كما ظن الجهم أن الإعادة لا تكون إلا عن عدم ، وأن هذا هو الذي قصده الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من الايمان بالبعث - ولما كان لا يمكن في العقل إعادة المعدوم بعينه ، لأن ذلك يستلزم اعادته بجميع أعراضه وصفاته كلها ومنها الزمان ، فقد ذهبوا إلى استحالة الإعادة إذ لا يمكن إعادة الزمان الأول بعينه . ومعلوم أن هذا الذي قاله الجهم في الإعادة عن عدم ، وكان سببا لورود الاشكالات على البعث ليس في شيء من كتاب اللّه ولا سنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ولا ذهب إليه أحد من الصحابة ولا من الذين اتبعوهم باحسان رضي اللّه عنهم أجمعين ، بل كلهم فهموا معنى البعث كما ورد به الكتاب الكريم ، وهو أبعد ما يكون عن أقوال هؤلاء الزائغين المبتدعين . بل صرح الوحي المبين بأنه * حقا مغير هذه الأكوان فيبدل اللّه السماوات العلى * والأرض أيضا ذات تبديلان وهما كتبديل الجلود لساكني الن * يران عند النضج من نيران وكذاك يقبض أرضه وسماءه * بيديه ما العدمان مقبوضان وتحدث الأرض التي كنا بها * أخبارها في الحشر للرحمن وتظل تشهد وهي عدل بالذي * من فوقها قد أحدث الثقلان أفيشهد العدم الذي هو كاسمه * لا شيء ، هذا ليس في الامكان الشرح : يعني أن الذي صرحت به النصوص ليس هو إعدام هذه الأكوان