ابن قيم الجوزية
34
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
ويرى الجهم أيضا أن اللّه عز وجل يعيد هذا العالم بعد الفناء بعينه ، يعني بجميع صفاته وأعراضه ، حتى قال جهلا بإعادة الزمان الأول الذي كان مقارنا للوجود الأول بعينه . وهذا معنى قول الناظم رحمه اللّه ( إعادة بزمان ) يعني إعادة مصحوبة بالزمان الذي كان مقارنا للأشياء حتى يكون الثاني عين الأول . وأعلم أن الذي أوقع الجهم وأشياعه من المتكلمين في مثل هذه الجهالات هو ايمانهم بالجوهر الفرد واعتقادهم أن العوامل كلها مركبة من هذه الجواهر الفردة التي لا تقبل القسمة ، فبنوا على هذه النظرية الفاسدة كل أصول دينهم ، ومنها المعاد فصاروا على قولين فيه ، فمنهم من قال : تعدم الجواهر ثم تعاد ، كما هو مذهب الجهم ، ومنهم من قال : بل تفرق الاجزاء ثم تجمع ، وقد أورد الفلاسفة على كل من القولين من الشبه ما اضطر فريقا من المتكلمين كالحليمي والغزالي أن يدعوا أن الإعادة لا تكون لهذه الأجسام التي كانت في الدنيا ، بل يخلق اللّه أجساما جديدة ويعيد الأرواح إليها مع مخالفة ذلك للنصوص الصريحة التي دلت على أن هذه الأجسام التي باشرت الطاعة والمعصية هي التي تعاد ، وهي التي يجري عليها الثواب والعقاب . هذا المعاد وذلك المبدا الذي * جهم وقد نسبوه للقرآن هذا الذي قاد ابن سينا والألى * قالوا مقالته إلى الكفران لم تقبل الأذهان ذا وتوهموا * أن الرسول عناه بالإيمان هذا كتاب اللّه أنى قال ذا * أو عبده المبعوث بالبرهان أو صحبه من بعده أو تابع * لهم على الايمان والاحسان الشرح : عرفنا أن الجهم يرى أن الإعادة ستكون عن عدم محض كما أن الابداء كان كذلك ، ويزعم أن هذا هو معنى قوله تعالى : كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [ الأنبياء : 104 ] وقوله : كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [ الأعراف : 29 ] يعني أن اللّه كما بدأ الأشياء عن عدم محض ، فكذلك يعيدها عن عدم