ابن قيم الجوزية

33

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

البنيان التي لا حس ولا حركة ، فكيف حال من كان يجامع أهله ثم أنقضت تلك الحركات قبل أن ينزع عنها أيظل على حاله تلك من الغشيان والإيلاج ؟ وكيف حال من رفعت يده اللقمة إلى فيه فتناهت الحركات قبل وصولها إلى فمه أيظل فمه هكذا مفتوحا في انتظار اللقمة التي لن تصل إليه ؟ ثم ما حال هذا الذي امتدت يده إلى عذق من الرطب ثم دخل هذا الوقت قبل تناوله هل تبقى يده ممدودة هكذا سائر الأزمان ؟ ألا تبا لعقل يقدم على مثل هذه الترهات والأباطيل ، ويقدمها على النصوص الصريحة من الكتاب والسنة والآثار . وقضى بأن اللّه يعدم خلقه * عدما ويقلبه وجودا ثان العرش والكرسي والأرواح وال * أملاك والأفلاك والقمران والأرض والبحر المحيط وسائر ال * أكوان من عرض ومن جثمان كل سيفنيه الفناء المحض لا * يبقى له أثر كظل فان ويعيد ذا المعدوم أيضا ثانيا * محض الوجود إعادة بزمان الشرح : يرى الجهم أن العالم كله علوية وسفلية سيفنى يوم القيامة ويصير إلى العدم المحض مستدلا بمثل قوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] زاعما أن الهلاك في الآية معناه الفناء المحض ، وهذا محض افتراء فإن لفظ الهلاك انما يستعمل في اللغة بمعنى التحلل والفساد وتفرق الأجزاء ، ولا شك أن الأشياء جميعا قابلة للهلاك بهذا المعنى . على أن قوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ هو من العام المخصوص ، كما في قوله تعالى تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها [ الأحقاف : 25 ] والمراد به هلاك ما على الأرض من انسان وحيوان ، كما في قوله تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [ الرحمن : 26 ] .