ابن قيم الجوزية
23
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
وقيل أن سالما قتله لما بلغه فساد نحلته ، وأنه ينكر أن اللّه كلم موسى تكليما . ولما كان مذهب الجهم في التعطيل والجبر أصلا تفرع عنه كثير من فرق الضلال كالمعتزلة والفلاسفة ومتأخري الأشعرية والقرامطة الباطنية وملاحدة الصوفية القائلين بالحلول والوحدة ، كابن عربي وابن سبعين وأضرابهما ، بدأ المصنف ببيانه مع التفصيل والاسهاب ، فأخبر أن الجهم وشيعته أنكروا صفات الخالق جل وعلا ، وخلاصة مذهب الجهم في هذا أنه لا يجوز أن يوصف اللّه عز وجل بصفة يوصف بها خلقه لأن ذلك يقتضي في زعمه تشبيها ، فنفى كونه حيا عالما مريدا الخ ، ولكنه أثبت كونه قادرا فاعلا خالقا ، لأن المخلوق عنده لا يوصف بهذه الأشياء . وأما شيعة الجهم من أهل النفي والتعطيل فإنهم ليسوا في تجهمهم بدرجة سواء بل منهم غال كالفلاسفة أتباع مذاهب اليونان ، فإنهم لم يثبتوا له إلا وجودا مطلقا بشرط الاطلاق ولم ينعتوه إلا بالسلوب والإضافات ، ويليهم المعتزلة الذين أثبتوا الأسماء دون الصفات ، ثم متأخرو الأشعرية الذين أثبتوا بعض الصفات ونفوا بعضها ، وسيأتي في كلام المؤلف رحمه اللّه ما فيه الكفاية في الرد عليهم . وبعد أن ذكر مذهبهم في جحد الصفات اجمالا أخذ في تفصيل ذلك ، فذكر كل واحدة من الصفات التي نفوها ، فمن ذلك استواؤه تعالى على العرش ، فالجهمية كلهم غاليهم وقاصرهم لا يؤمنون بأن في السماء ربا ولا فوق العرش ، الهابل عطلوا منه السماوات العلى ، وأخلوا منه عرشه العظيم ، مخالفين بذلك صريح الكتاب والسنة واجماع سلف الأمة وأئمتها بل وإجماع الشرائع السماوية كلها التي قامت على أساس أن اللّه عز وجل في السماء ، وأن الوحي ينزل من عنده على المصطفين من عباده . وكذلك نفوا أن يكون اللّه عز وجل متكلما بكلام هو صفة له قائمة به ، ولكنه متكلم عندهم بمعنى أنه خالق للكلام كخلقه لسائر الأعراض والأجسام ، فكلام اللّه عندهم مخلوق محدث منفصل عنه كسائر مفعولاته ، وإنما يضاف إليه