ابن قيم الجوزية
24
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
على سبيل التشريف كما يقال : بيت اللّه وناقة اللّه ، وقضوا على كلامه سبحانه بالخلق ، أي بأنه من جملة المخلوقات التي توجد بالقدرة منفصلة عن الذات . وبالحدثان يعني بالأولية والابتداء ، فعندهم أن اللّه صار متكلما أي خالقا للكلام بعد أن لم يكن كذلك ، ومعنى هذا أن القرآن وسائر الكتب المنزلة لم يتكلم اللّه بها وانما خلقها في اللوح أو في الهواء ، وكذلك تكليمه تعالى لموسى عليه السلام ، إنما هو بكلام خلقه في الشجرة ونحو ذلك . قالوا وليس لربنا سمع ولا * بصر ولا وجه ، فكيف يدان وكذاك ليس لربنا من قدرة * وإرادة أو رحمة وحنان كلا ولا وصف يقوم به سوى * ذات مجردة بغير معان وحياته هي نفسه وكلامه * هو غيره فاعجب لذا البهتان الشرح : يعني أن من جملة الصفات التي نفاها الجهمية المعطلة عن اللّه عز وجل صفة السمع التي يسمع بها الأصوات ، وصفة البصر التي يرى بها المرئيات ، وصفة الوجه التي نطقت بثبوتها الآيات . وقوله ( فكيف يدان ) استفهام انكاري معناه النفي ، يعني أنهم إذا كانوا قد نفوا عنه هذه الصفات المتقدمة مع اقتضاء العقل لثبوتها ، فكيف يعقل أن يثبتوا له صفة اليدين . وكذلك نفوا عنه صفة القدرة التي بها الايجاد والاعدام وصفة الإرادة التي يقع بها التخصيص في الممكنات على وفق علمه وحكمته . وكذلك نفوا عنه صفتي الرحمة والحنان وسائر ما يقوم به من المعاني التي أثبتها لنفسه أو أثبتها له رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولم يثبتوا إلا ذاتا مجردة عن كل معنى ووصف ، ونسبوا إليها آثار الصفات فقالوا : إنه بذاته يعلم ويقدر ويريد ويسمع الخ . قوله ( سوى ذات مجردة الخ ) استثناء منقطع ، إذ المستثنى ليس من جنس المستثنى منه ، فإن الذات ليست من جنس الصفات .