ابن تيميه

12

شرح العقيدة الإصفهانية

ومن مواقفه البطولية التي خلدها التاريخ عندما سار جيش التتار إلى الشام ، ابتدر شيخ الإسلام وذهب مع البريد إلى مصر ودخل على السلطان ، وخاطبه بقوة قائلا له : « إن تخليتم عن الشام ونصرة أهله ، والذب عنهم » وهدده بأن أهل الشام سيقيمون لهم من يحميهم ويقوم بأمرهم فأجابه السلطان إلى ما أراد « 1 » . وبهذه المواقف وغيرها أصبحت شجاعة ابن تيمية وقوته مضرب المثل . وقد وشي بالشيخ إلى السلطان الملك الناصر ، فأحضره بين يديه ، ومن جملة ما قال له الناصر : أخبرت أنك أطاعك الناس ، وأن في نفسك أخذ الملك ، فرد عليه بنفس مطمئنة وقلب ثابت ، وثبوت عال سمعه كثير ممن حضر : أنا أفعل ذلك ؟ واللّه إن ملكك وملك آبائك لا يساوي عندي فلسين . فتبسم السلطان لذلك « 2 » . ويذكر ابن القيم ما منحه اللّه من قوة القلب وانشراح الصدر وسرور النفس مع أنه كان محبوسا في القلعة ويقول : « وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض ، أتيناه ، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله ، وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة . . . » « 3 » . ويقول خادمه إبراهيم بن أحمد الغياني : « . . . ثم بعد أيام جاء عند الشيخ - يعني ابن تيمية - شمس الدين بن سعد الدين الحراني وأخبره أنهم يسفرونه إلى الإسكندرية . وجاءت المشايخ التدامرة « 4 » وأخبروه بذلك ، وقالوا له : كل هذا يعملونه حتى توافقهم ، وهم عاملون على قتلك أو نفيك أو حبسك ، فقال لهم : « أنا إن قتلت كانت لي الشهادة ، وإن نفوني كانت لي هجرة ، ولو نفوني إلى قبرص لدعوت أهلها إلى اللّه وأجابوني ، وإن حبسوني كان لي معبدا وأنا مثل الغنمة كيفما تقلبت على صوف » فيئسوا منه وانصرفوا . . . ثم ذكر أنه لما ركب مع نائب السلطان متوجها إلى الإسكندرية فقال له إنسان : « يا سيدي هذا مقام الصبر » ، فقال له : « بل هذا مقام الحمد والشكر ، واللّه إنه نازل على قلبي من الفرح والسرور شيء لو قسم على أهل الشام ومصر لفضل عنهم ، ولو أن معي في هذا

--> ( 1 ) انظر : ذيل طبقات الحنابلة ( 4 / 395 - 396 ) ، شذرات الذهب ( 5 / 455 ) . ( 2 ) الأعلام العلية ص 65 . ( 3 ) الوابل الصيب ص 45 . ( 4 ) نسبة إلى « تدمر » إحدى مدن الشام . انظر معجم البلدان ( 2 / 17 ) .