التفتازاني
49
شرح العقائد النسفية
نعم إذا أثبتنا صدور العالم عن الصانع بالاختيار دون الايجاب « 1 » ، بدليل لا يتوقف على حدوث العالم ، كان القول بتعلق وجوده بتكوين الله تعالى ، قولا بحدوثه . ومن هاهنا يقال التنصيص على كل جزء من أجزاء العالم ، إشارة إلى الرد على من زعم قدم بعض الأجزاء ، كالهيولى . والا فهم انما يقولون بقدمها بمعنى عدم المسبوقية بالعدم ، لا بمعنى عدم تكونه بالغير والحاصل : أنا لا نسلم أنه لا يتصور التكوين بدون وجود المكون ، وأن وزانه معه كوزان الضرب مع المضروب . فان الضرب صفة إضافية لا يتصور بدون المضافين ، أعنى الضارب والمضروب . والتكوين صفة حقيقية ، هي مبدأ الإضافة التي هي اخراج المعدوم من العدم إلى الوجود ، لا عينها . حتى لو كانت عينها على ما وقع في عبارة المشايخ ، أكان القول بتحققها بدون المكون ، مكابرة وانكارا للضرورى ، فلا يندفع بما يقال من أن الضرب عرض مستحيل البقاء ، فلا بد لتعلقه بالمفعول ووصول الألم إليه من وجود المفعول معه ، إذ لو تأخر لانعدم ، وهو بخلاف فعل الباري ، فإنه أزلي واجب الدوام ، يبقى إلى وقت وجود المفعول . [ سبحانه تعالى غير المكون ] ( وهو غير المكون عندنا ) لأن الفعل يغاير المفعول بالضرورة ، كالضرب مع المضروب والأكل مع المأكول ، ولأنه لو كان نفس المكون ، لزم أن يكون المكون مكونا مخلوقا بنفسه ، ضرورة أنه مكون بالتكوين ، الّذي هو عينه فيكون قديما مستغنيا عن الصانع ، وهو محال . وأن لا يكون للخالق تعلق بالعالم ، سوى أنه أقدم منه وقادر عليه من غير صنع وتأثير في « 2 » . ضرورة تكونه بنفسه . وهذا لا يوجب كونه خالقا ( والعالم مخلوقات له ) « 3 » فلا يصح القول بأنه خالق العالم وصانعه . هذا خلف . وأن لا يكون الله تعالى مكونا للأشياء ، ضرورة أنه لا معنى للمكون ، الا من قام به التكوين . والتكوين إذا كان غير المكون لا يكون قائما بذات الله تعالى ، وأن يصح القول بأن خالق سواد هذا الحجر أسود . وهذا الحجر خالق السواد . إذ لا معنى للخالق والأسود الا من قام به
--> ( 1 ) الايجاد : خ . ( 2 ) فيه : ط . ( 3 ) وكون العالم مخلوقا : خ .