التفتازاني
50
شرح العقائد النسفية
الخلق والسواد ، وهما واحد ، ومحلهما واحد . وهذا كله تنبيه على كون الحكم بتغاير الفعل والمفعول ضروريا . لكنه ينبغي للعاقل أن يتأمل في أمثال هذه المباحث ، ولا ينسب إلى الراسخين من علماء الأصول ما يكون استحالته بديهية ظاهرة ، على من له أدنى تمييز ، بل يطلب لكلامهم محملا صحيحا « 1 » ، يصلح محلا لنزاع العلماء ، واختلاف العقلاء . فان من يقال : التكوين غير « 2 » المكون ، أراد أن الفاعل إذا فعل شيئا فليس هاهنا ، الا الفاعل والمفعول ، وأما المعنى الّذي يعبر عنه بالتكوين والايجاد ، ونحو ذلك . فهو أمر اعتباري يحصل في العقل من نسبة الفاعل إلى المفعول ، وليس أمرا محققا مغايرا للمفعول في الخارج ، ولم يرد أن مفهوم التكوين هو بعينه مفهوم المكون ، ليلزم المحالات . وهذا كما يقال : ان الوجود عين الماهية في الخارج ، بمعنى أنه ليس في الخارج للماهية تحقق ، ولعارضها المسمى بالوجود تحقق آخر ، حتى يجتمعان القابل والمقبول ، كالجسم والسواد ، بل الماهية إذا كانت فتكونها « 3 » هو وجودها ، لكنهما متغايران في العقل ، بمعنى أن للعقل أن يلاحظ الماهية دون الوجود ، وبالعكس . فلا يتم ابطال هذا الرأي الا باثبات أن تكون الأشياء وصدورها عن الباري تعالى ، يتوقف على صفة حقيقية قائمة بالذات ، مغايرة للقدرة والإرادة . والتحقيق : أن تعلق القدرة على وفق الإرادة بوجود المقدور لوقت وجوده إذا نسب إلى القدرة . يسمى ايجابا له ، وإذا نسب إلى القادر يسمى الخلق والتكوين ونحو ذلك . فحقيقته : كون الذات بحيث تعلقت قدرته بوجود المقدور لوقته ، ثم يتحقق بحسب خصوصيات المقدورات خصوصيات الأفعال ، كالترزيق والتصوير والاحياء والإماتة ، وغير ذلك إلى ما لا يكاد يتناهى ، [ التكوين صفة الله تعالى أزلية قائمة بذاته ] وأما كون كل من ذلك صفة « 4 » حقيقية أزلية ، فمما انفرد به بعض علماء ما وراء النهر ، وفيه تكثير للقدماء جدا ، وان لم تكن متغايرة . والأقرب ما ذهب إليه المحققون منهم ، وهو أن مرجع الكل إلى
--> ( 1 ) صحيحا : ط . ( 2 ) عين : ط . ( 3 ) تكونها : خ . ( 4 ) الصفة : خ .