التفتازاني
16
شرح العقائد النسفية
قلنا : هذا على عادة المشايخ في الاقتصار على المقاصد والأعراض عن تدقيقات الفلاسفة فإنهم لما وجدوا بعض الادراكات حاصلة عقيب الاستعمال للحواس الظاهرة ، التي لا يتمسك فيها سواء كانت من ذوى « 1 » العقول أو غيرهم ، جعلوا الحواس أحد الأسباب . ولما كان معظم المعلومات الدينية مستفادا من الخبر الصادق ، جعلوه سببا آخر . ولما لم يثبت عندهم الحواس الباطنة المسماة بالحس المشترك والوهم وغير ذلك . ولم يتعلق لهم غرض بتفاصيل الحدسيات والتجربيات والبديهيات والنظريات ، وكان مرجع الكل إلى العقل : جعلوه سببا ثالثا ، يفضى إلى العلم ، بمجرد التفات أو بانضمام حدس أو تجربة أو ترتيب مقدمات . فجعلوا السبب في العلم بأن لنا جوعا وعطشا ، وأن الكل أعظم من الجزء ، وأن نور القمر مستفاد من الشمس ، وأن « السقمونيا » مسهل ، وأن العالم حادث : هو العقل . وان كان في البعض باستعانة من الحس . ( فالحواس ) جمع حاسة ، بمعنى القوة الحساسة ( خمس ) بمعنى : أن العقل حاكم بالضرورة بوجودها . وأما الحواس الباطنة التي تثبتها الفلاسفة فلا تتم دلائلها على الأصول الاسلامية ( السمع ) وهو قوة مودعة في العصب المفروش في مقعر الصماخ يدرك بها الأصوات بطريق وصول الهواء المتكيف بكيفية الصوت إلى الصماخ ، بمعنى أن الله تعالى يخلق الادراك في النفس عند ذلك . ( والبصر ) وهو قوة مودعة في العصبتين المجوفتين اللتين تتلاقيان في الدماغ « 2 » ، ثم تفترقان ، فيتباديان إلى العينين يدرك بها الأضواء والألوان والاشكال والمقادير والحركات ، والحسن والقبح وغير ذلك مما يخلق الله تعالى ادراكها في النفس ، عند استعمال العبد تلك القوة ( والشم ) وهي قوة مودعة في الزائدتين الناتئتين من مقدم الدماغ الشبيهتين بحلمتى الثدي ، يدرك بها الروائح بطريق وصول
--> ( 1 ) اللغة الصحيحة أن تأتى همزة التوبة بعد سواء دائما مثل قوله تعالى : « سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ » ؟ ( 2 ) الدماغ : سقط خ .