القاضي عبد الجبار الهمذاني

90

شرح الأصول الخمسة

ومنها : هو أن يعلم أو يغلب في ظنه أن لقوله فيه تأثير ، حتى لو لم يعلم ذلك ولم يغلب على ظنه لم يجب . وفي أن ذلك هل يحسن إذا لم يجب كلام . فقال بعضهم إنه يحسن لأنه بمنزلة استدعاء الغير إلى الدين ، وقال الآخرون يقبح لأنه عبث . ومنها : هو أن يعلم أو يغلب على ظنه أنه لا يؤدي إلى مضرة في ماله أو في نفسه إلا أنه يختلف بحسب اختلاف الأشخاص . فإن كان المرء بحيث لا يؤثر في حاله الشتم والضرب فإنه لا يكاد يسقط عنه ، وإن كان ممن يؤثر ذلك في حاله ويحط مرتبته فإنه لا يجب ، وفي أن ذلك هل يحسن ، ينظر ، فإن كان الرجل ممن يكون في تحمله لتلك المذلة إعزاز الدين حسن ، وإلا فلا . وعلى هذا يجمل ما كان من الحسين بن علي عليهما السلام ، لما كان في صبره على ما صبر إعزازا لدين اللّه عز وجل ، ولهذا نباهي به سائر الأمم ، فنقول : لم يبق من ولد الرسول صلى اللّه على وآله وسلم إلا سبط واحد ، فلم يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى قتل في ذلك . إذا تأمن ذلك بالأسهل فلا يجب تجاوزه إلى الأصعب : واعلم أن المقصود بالأمر بالمعروف إيقاع المعروف ، وبالنهي عن المنكر زوال المنكر ، فإذا ارتفع الغرض بالأمر السهل ، لم يجز العدول عنه إلى الأمر الصعب . وهذا مما يعلم عقلا وشرعا ، أما عقلا فلأن الواحد منا إذا أمكنه تحصيل الغرض بالأمر السهل لا يجوز العدول عنه إلى الأمر الصعب ، وأما الشرع فهو قوله تعالى : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ [ الحجرات : 9 ] فاللّه تعالى أمر بإصلاح ذات البين أولا ، ثم بعد ذلك بما يليه ، إلى أن انتهى إلى المقاتلة . إذا فقدت هذه الشرائط فهل يجب عليه تكليف آخر في هذا الباب : ثم إنه رحمه اللّه سأل نفسه فقال : إن المكلف إذا لم يجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لفقد هذه الشرائط فهل يبقى عليه تكليف آخر في هذا الباب أم لا ؟ . وأجاب عنه : بأن ينظر في حاله ، فإن كان عفيفا مستورا بحيث لا يظن أنه راض بما يجري فلا شيء عليه ، وإن كان ممن نظن به الرضى بذلك فإنه يجب عليه إظهار الكراهة دفعا للتهمة ، ولأن فيه لطفا ومصلحة .