القاضي عبد الجبار الهمذاني

465

شرح الأصول الخمسة

وجملة ذلك أن فائدة الشفاعة رفع مرتبة الشفيع ، والدلالة على منزلته من المشفوع . وأما موضوعها فقد اختلف الناس فيه ، فعندنا أن موضوع الشفاعة هو لكي يصل المشفوع له إلى حاجته ، ثم أن حاجته ، إما أن تكون نفعا يناله من مال وحشمة وتمييز وخلعة ، أو ضرر يدفع عنه . وقد خالف في ذلك المرجئة ، وقالت : إن موضوعها إنما هو لدفع الضرر عن المشفوع له لا غير ، وذلك ظاهر الفساد ، فإن الوزير مثلا كما يشفع إلى السلطان ليزيل عن حاجب من حجابه الضرر ، فقد يشفع ليخلع عليه ويميزه من الحجاب ، ففسد ما ظنوه . ومتى قيل : إن الشفاعة التي هذه سبيلها ترجع إلى ما ذكرناه ، فإن الحاجب لو لم يستضر بانحطاط رتبته لكان لا يكون للشفاعة في رفع مرتبته وتميزه عن غيره معنى . قلنا : إن هذا تعسف ولا وجه له ، بل لو جعل الأصل في هذا الباب النفع ، ويرجع بدفع الضرر إليه ، لكان أولى وأوجب . فحصل لك بهذه الجملة العلم بأن الشفاعة ثابتة للمؤمنين دون الفساق من أهل الصلاة ، خلاف ما تقوله المرجئة . وقد تعلقوا في ذلك بما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي » وقالوا : إن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قد نص على صريح ما ذهبنا إليه . والجواب : أن هذا الخبر لم تثبت صحته أولا ، ولو صح فإنه منقول بطريق الآحاد عن النبي ، ومسألتنا طريقها العلم ، فلا يصح الاحتجاج به . ثم إنه معارض بأخبار رويت عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم في باب الوعيد ، نحو قوله : « لا يدخل الجنة نمام ولا مدمن خمر ولا عاق » وقوله : « من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالدا مخلدا » إلى غير ذلك ، فليس بأن يوجد بما أوردوه أولى من أن يوجد بما رويناه ، فيجب اطراحهما جميعا ، أو حمل أحدهما على الآخر ، فنحمله على ما يقتضيه كتاب اللّه وسنة رسوله ، ونقول : المراد به شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي إذا تابوا . ومتى قالوا : إن التائب في غنى عن الشفاعة ولا فائدة فيها ، قلنا ليس كذلك ، فإن ما استحق التائب من الثواب قد انحبط بارتكابه الكبيرة ،