القاضي عبد الجبار الهمذاني

466

شرح الأصول الخمسة

ولا ثوب إلا مقدار ما قد استحقه بالتوبة ، فيه حاجة إلى نفع التفضل عليه . فإن قالوا : إن ذلك شيء قد وعده اللّه به حيث يقول : وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ فلا يثبت للشفاعة والحال ما ذكرتموه تأثير . قلنا : إنه تعالى لم يذكر أنه يزيدهم من فضله دون شفاعة النبي ص ، فلا يمتنع تجويز أن يكون التفضل هو هذا الذي قد وعد به ، بل لا يمنع أن يتفضل عليهم نوعا آخر من التفضل ، ففضله أوسع مما يظنونه . وقد قال أبو الهذيل : إن الشفاعة إنما ثبتت لأصحاب الصغائر وذلك لا يصح ، لأن الصغائر تقع مكفرة في جنب الطاعات . فإن قيل : إن النبي ص يشفع ليعاد ما قد انحبط بصغيرته من الثواب . قيل له : إن ذلك قد انحبط وبطل وخرج من أن يستحق ، فكيف يصح عوده بالشفاعة ؟ ثم يقال لهؤلاء المرجئة : أليس أن الأمة اتفقت على قولهم : اللهم اجعلنا من أهل الشفاعة ، فلو كان الأمر على ما ذكرتموه لكان يجب أن يكون هذا الدعاء دعاء لأن يجعلهم اللّه تعالى من الفساق وذلك خلف . فإن قالوا : أليس أن الأمة قد اتفقت على هذا فقد اتفقت على قولهم : اللهم اجعلنا من التوابين ومن أهل التوبة ، ثم لم يلزم أن يكون هذا الدعاء لأن يجعلهم فساقا ملعونين ، فهلا جاز مثله هاهنا ؟ قلنا : إن بين الموضعين فرقا عندكم أن الشفاعة لا تصح ولا يثبت لها معنى إلا للفساق ، فسؤال اللّه تعالى ودعاؤه حتى يجعله من أهل الشفاعة دعاء له حتى يجعله من أهل الفسوق ، وليس كذلك الحال في قولنا اللهم اجعلنا من التوابين ومن أهل التوبة ، لأن هذا القول يحسن من أصحاب الصغائر والكبائر جميعا ، حتى يحسن من الأنبياء . وأيضا ، فما من شيء نفعله من المباحات إلا ويجوز أن يقع فيها ما هو معصية ، وإذا كان ذلك مجوزا ، حسن منا الدعاء بهذه الدعوة ، ولم يتضمن الدعاء بأن يجعلنا اللّه تعالى من المتعاطين للأفعال القبيحة والمخلين بالواجبات ، فقد ذكرنا أن التوبة قد تحسن عما لا يقبح أصلا ، وليس هكذا حال الشفاعة عندكم ، فإن النبي صلى اللّه عليه وسلّم لا بد من أن يعلم أنه إن لم يشفع له ، عاقبه اللّه تعالى بما ارتكبه من الكبائر . على أن غرض الأمة بهذه الدعوة لو ثبت اتفاقهم عليها ، أن يسهل اللّه لهم السبيل إلى التوبة بالألطاف أو ما يجري مجراها لما هو غرضهم بتلك الدعوة ، ولا يمكنهم أن يكيلوا علينا بهذا الكيل ، فالمرء ما لم يكن من أهل الكبيرة لا تحسن