القاضي عبد الجبار الهمذاني

422

شرح الأصول الخمسة

كما تفضل على الأطفال ، والمجانين وذلك مما لا يصح أيضا وقد اتفقت الأمة على المكلف إذا دخل الجنة فلا بد من أن يميز حاله من حال الولدان المخلدين ، وعن حال الأطفال والمجانين ، فليس إلا أن نقطع أنه لا تتساوى طاعات المكلف ومعاصيه وقد خالف في هذه الجملة الصوفية وبعض السادات وقالوا : إن بين الجنة والنار مواضع يقال لها الأعراف ، وعلى هذا قال تعالى : وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ وذلك مما لا وجه له لأنه خرق الإجماع . وأما الأعراف المذكورة في القرآن فإنها مواضع في الجنة مرتفعة سميت بذلك لارتفاعها كما في عرف الديك والدابة وغيرهما . الإحباط والتكفير : وإذ قد تقررت هذه الجملة ، فاعلم أن المكلف لا يخلو ، إما تخلص طاعاته ومعاصيه ، أو يكون قد جمع بينهما ، وإذا كان قد جمع بينهما فلا يخلو ، إما أن تتساوى طاعاته ، ومعاصيه ، أو يزيد أحدهما على الآخر فإنه لا بد من أن يسقط الأقل بالأكثر ، وإن شئت أوردت ذلك على وجه آخر ، فقلت : إن المكلف لا يخلو ، إما أن يستحق الثواب أو أن يستحق العقاب من كل واحد منهما قدرا واحدا ، أو يستحق من أحدهما أكثر مما يستحق من الآخر . لا يجوز أن يستحق من كل واحد منهما قدرا واحدا لما قد مر ، وإذا استحق من أحدهما أكثر من الآخر فإن الأقل لا بد من أن يسقط بالأكثر ويزول ، وهذا هو القول بالإحباط والتكفير على ما قاله المشايخ . المخالفون في الإحباط والتكفير : وقد خالفنا في ذلك كثير من المرجئة ، وعباد بن سليمان الصيمري ، فإن مذهبه أن العقوبة لا تزول إلا بالتوبة ، فأما كثرة الطاعات فمما لا تأثير لها في ذلك ، غير أنه يثبت مزية لمن خلط الطاعات بالمعاصي لا يثبتها لمن خلصت معاصيه ، وتلك المزية والتفرقة إذا لم يرجع بهما إلى ما ذكرناه من الإحباط والتكفير لا يعقل ولا يثبت لهما معنى . وجملة القول في ذلك ، هو أنا قد ذكرنا أن المكلف إما أن تخلص طاعاته أو معاصيه ، أو يجمع بينهما ويخلطه ، فإذا جمع بينهما فلا سبيل إلى التساوي على ما تقدم ، فليس إلا أن يكون أحدهما أكثر من الآخر والآخر أقل منه ، فيسقط الأقل بالأكثر ، وهذا هو الذي نعنيه بالإحباط والتكفير .