القاضي عبد الجبار الهمذاني

423

شرح الأصول الخمسة

فإن قيل : هذا الذي ذكرتموه بيان المذهب ومعنى القول بالإحباط والتكفير ، فما الدلالة على ذلك ؟ قيل له : الدليل عليه ، هو ما قد ثبت أن الثواب والعقاب يستحقان على طريق الدوام ، فلا يخلو المكلف إما أن يستحق الثواب فيثاب ، أو يستحق العقاب فيعاقب ، أو لا يستحق الثواب ولا العقاب فلا يثاب ولا يعاقب ، أو يستحق الثواب والعقاب فيثاب ويعاقب دفعة واحدة ، أو يؤثر الأكثر في الأقل على ما نقوله . لا يجوز أن لا يستحق الثواب ولا العقاب فإن ذلك خلاف ما اتفقت عليه الأمة ، وأيضا فقد أدللنا على استحقاق المكلف الثواب والعقاب فلا وجه لذلك ، ولا يصح أيضا أن يستحق الثواب والعقاب معا فيكون مثابا معاقبا دفعة واحدة لأن ذلك مستحيل ، والمستحيل مما لا يستحق ، لأن الاستحقاق يترتب على صحته أن يفعل وإمكانه ، إذ المرجع به إلى حسن فعل أو وجوبه لأمر متقدم على وجه لولاه لما حسن أو لما وجب ، وهذا كما ترى مبني على الصحة ، فلا يصح إلا ما ذكرناه من أن الأقل يسقط بالأكثر . وهذا هو الذي يقوله الشيخان أبو علي وأبو هاشم ولا يختلفان فيه ، وإنما الخلاف بينهما في كيفية ذلك على ما سيجيء من بعد إن شاء اللّه وحده . فإن قيل هلّا كان الحال في الثواب والعقاب عندكم في أن لا يقع بينهما الإحباط والتكفير كالحال في العوض مع العقاب ؟ قيل له : إن كان المذهب ما اختاره أبو علي فلا سؤال ، لأنه سوى بينهما أو يجري على القياس ، وإن كان المذهب ما يقوله أبو هاشم ، فالفرق ظاهر ، لأن الذي له ولأجله قال بأن الثواب يحبط بالعقاب ، هو أنهما يستحقان على طريق الدوام ، وأن أحدهما يستحق على سبيل التعظيم والإجلال ، والآخر على سبيل الاستحقاق والنكال ، ولا يمكن الجمع بينهما ، وهذا غير ثابت في العوض مع العقاب ، فلا معنى لقياس أحدهما على الآخر . يبين ذلك ، أن العوض لا يستحق دائما ، ولا هو مستحق على سبيل التعظيم والإجلال حتى يثبت بينه وبين العقاب منافاة ، وإذا كان هذا هكذا سقط ما قالوه ، وصح أن من يستحق العوض على اللّه والعقاب منه ، فإنه إن شاء وفر عليه ما يستحق من العوض في الدنيا ، وإن شاء في عرصات القيامة ، وإن شاء جعله تخفيفا من عقابه ، لا لأن العوض يستحق على هذا الوجه ، لكن لأن إيصاله إليه على الوجه المستحق لا يمكن . وأول هذه الوجوه أوضح ، والثالث جيد ، فأما الثاني ففيه كلام ، لأن الأمة