القاضي عبد الجبار الهمذاني

261

شرح الأصول الخمسة

كالواسطة فيه ، ولا يقع أخرى بأن لا يختار الفاعل ما هو كالواسطة فيه . يزيد ذلك توضيحا ، أن السبب لا يمتنع حصوله ثم لا يحصل المسبب ، بأن يعرض عارض فيمنعه من التوليد ، ومتى وجب حصوله عند حصول السبب وزوال الموانع فإن حاله كحال المبتدأ عند تكامل الدواعي ، فإنه يحصل لا محالة ، فمن أين الفرق بينهما ؟ . وبعد ، فإن المتولد إذا كان مما يثبت لأحوالنا فيه تأثير حتى يقف على قصدنا ودواعينا ويثبت فيه المدح والذم كما في المبتدأ سواء فما وجه الفرق ؟ وكيف يعلق المراد بالطبع والإرادة باختيار الفاعل مع أن الحالة فيهما على سواء . فإما أن يعلقا جميعا بالطبع ، أو يضافا إلى الفاعل . فأما أن يجعل أحدهما واقعا بالطبع ، والآخر باختيار الفاعل فلا . وبعد ففي تعليق هذه الحوادث بالطبع تعليق لها بما لا يعقل على ما أبطلنا به قول أصحاب الطبائع ، وإن كانوا عند التحقيق أدخل في العذر من هؤلاء ، لأنهم حين نفوا الصانع لم يكن لهم بد من أن يعلقوا ذلك بأمر موجب ، فأما هؤلاء فقد أثبتوا الفاعل المختار ، فما عذرهم في تعليق هذه الأمور بالطبع . على أن هذا يوجب عليهم أن لا تقع لهم الثقة بالنبوات لتجويزهم حصول المعجزات بطبع الحل ، ويوجب عليهم القول : بأن هذه الأعراض التي هي أصول النعم من الحياة والقدرة الشهوة كلها حاصلة بطبع المحل ، وفي ذلك إخراج القديم تعالى عن أن يكون مستحقا للعبادة ، بل يلزمهم إضافة هذه القبائح التي تشتمل عليها المتولدات إلى اللّه ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا . من جعل المتولدات حدثا لا محدث له : وأما من جعل هذه الحوادث حدثا لا محدث له فقد أبعد ، فيلزمه القول بذلك في جميع الحوادث ، لأنه لا فرق بين بعضها والبعض في الاحتياج إلى محدث وفاعل ، ولئن راعى الجواز واعتبره ، فإن ذلك ثابت في المتولدات ثباته في المبتدأ ، لما قد بينا أنه لا يمتنع حصل السبب ولا يولد ، بأن يعرض له عارض فيمنعه من التوليد ، فإن المسبب يقع مع الجواز كالمبتدإ سواء ، ولئن جاز إخراج المسبب عن التعلق بالفاعل لوجوب حصوله عند وجود السبب وزوال الموانع لوجب إخراج المبتدأ أيضا عن تعلقه بالفاعل لوجوب وقوعه عند توفر الدواعي وتكاملها ، وإلا فما الفرق ؟ وبهذه الطريقة