القاضي عبد الجبار الهمذاني

257

شرح الأصول الخمسة

وذمهم على ذلك ، فلو لا أنها متعلقة بهم وإلا لما حسن إضافته إليهم وذمهم على ذلك . وبعد ، فالأصل في كلام الحكيم أن لا يحمل إلا على وجه لو أظهره لكان لائقا بالحكمة ، ومعلوم أنه لو قال : أتعبدون ما تنحتون وأنا الذي خلقت فيكم عبادته ونحته لكان لا يليق هذا الكلام بحكمته ، فلا يجوز حمل هذا على ظاهره ، ويجب أن يحمل على وجه يوافق الأدلة العقلية ، فيقال : إن المراد بقوله : وَما تَعْمَلُونَ ، أي وما تعملون فيه ، وذلك كثير جاء في اللغة وفي كتاب اللّه تعالى ، قال اللّه عزّ وجلّ : يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ [ سبأ : 13 ] فإنه لا تتعلق بهم المحاريب لكونها أجساما ، والمراد به العمل في المحاريب . وكذلك قوله تعالى : فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ [ الأعراف : 117 ] الآية يعني العصا ، أي ما يأفكون فيه ، كذلك في مسألتنا . اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ : ومما يتعلقون به ، قوله تعالى : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 62 ) [ الزمر : 62 ] ، قالوا : وهذا نص صريح في موضع التنازع والخلاف . وجوابنا ، أن هذا الظاهر متروك بالاتفاق ، لأنه تعالى من الأشياء ولم يخلق نفسه فلا يمكن التعلق بظاهر هذه الآية . وعلى أن هذه الآية وردت مورد التمدح ، ولا مدح بأن يكون اللّه تعالى خالقا لأفعال العباد وفيها الكفر والإلحاد والظلم ، فلا يحسن التعلق بظاهره . فإذا عدلتم عن الظاهر فأخذتم بالتأويل ، فلستم بالتأويل أولى منا ، فنتأوله على وجه يوافق الدليل العقلي ، فنقول : إن المراد به ، اللّه خالق كل شيء ، أي معظم الأشياء ، والكل يذكر ويراد ما ذكرنا ، قال اللّه تعالى في قصة بلقيس وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [ النمل : 23 ] مع أنها لم تؤت كثيرا من الأشياء . إن ربكم الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما : ومما يتعلقون به ، قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ الأعراف : 54 ] قالوا : وأعمال العباد فيما بين السماوات والأرض فيجب أن تكون من خلق اللّه تعالى . والجواب : أن البين يستعمل حقيقة في الفصل والوصل ، وأي ذلك كان فغير متصور في أفعل العباد . على أن الأمر لو كان على ما ظنوه لوجب أن تكون هذه الأفعال كلها مخلوقة في العباد في ستة أيام ، وقد عرف خلافه .