القاضي عبد الجبار الهمذاني
258
شرح الأصول الخمسة
ثم يقال لهم : الآية وردت مورد التمدح ، ولا مدح في أن يكون اللّه تعالى خالقا لأفعال العباد مع اشتمالها على القبيح والحسن . يبين ذلك أن إذا كان ينفي عن خلقه اللعب بقوله : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ( 16 ) [ الأنبياء : 16 ] فلأن ينفى عنه أفعال العباد وما فيها من فضيحة وشنيعة أولى . وبعد ، فإن الخلق في التعارف إنما يجري على فعل وقع مطابقا للمصلحة ، ومعلوم أن أفعال العباد ليست كذلك فكيف تجعل مخلوقة . إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ : وربما يتعلقون بقوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [ هود : 107 ] قالوا : ففي أفعال العباد ما يريده اللّه تعالى ، فيجب أن يكون فاعلا لها . وجوابنا ، أن هذا كلام يقتضي كونه فاعلا لما يريده في الحال الذي يريده ، وهذا يوجب عليكم قدم العالم ، لاعتقادكم أنه تعالى مريد لذاته أو بإرادة قديمة . ومتى قلتم إنه تعالى إنما أراد فيما لم يزل أن يخلق العالم قلنا : ذلك نفي ، والإرادة لا تتعلق بالنفي على ما نبينه من بعد . وإن قلتم : إنه تعالى أراد فيما لم يزل أن يخلق العالم فيما لا يزال فلا يلزم قدم العالم قيل لكم : ولم لم يرد خلقه في الحال وهو مريد لذاته ، والمراد من فعله ، فيلزمهم قدم العالم على كل حال . ثم إننا نتأول الآية على وجه يوافق الدلالة العقلية ، فنقول : المراد به أنه فاعل لما يريد من فعل نفسه ، ولا يجوز غير هذا ، لأن الآية وردت مورد الامتداح ، لا مدح في أن يكون فاعلا لأفعال العبد وفيها القبائح والمناكير ، فهذه جملة الكلام في ذلك . ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها : ومما يتعلقون به قوله تعالى : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها [ الحديد : 22 ] . قالوا ففي هذه الآية دلالة على أن جميع المصائب من جهة اللّه تعالى على ما نقوله ، وجوابنا أن الكتابة في قوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها راجعة إلى الأنفس لا إلى المصائب لأنها أقرب المذكورين ، والكتابة إنما ترجع إلى أقرب مذكور . فبين تعالى أنه قبل خلق الأنفس كان عالما بما يصير أمرهم إليه وتصيبهم من المصائب مكتوبا في اللوح المحفوظ ، فلا تعلق لكم بها ، وبعد فلو