القاضي عبد الجبار الهمذاني
255
شرح الأصول الخمسة
كان في الأول جديدا وفي الثاني كلا . على أن هذا لازم لهم في الكسب ، فيقال : كان يجب إن قدر أحدنا على الاكتساب ، أن يقدر في الثاني على اكتساب مثل ما اكتسبه أولا ، فإذا لم يجب ذلك هاهنا كذلك في مسألتنا . ومما يتعلقون به أيضا ، قولهم : إن الواحد منا لو كان محدثا لتصرفاته لوجب أن يسمى خالقا لها والأمة قد اتفقت على أن لا خالق إلا اللّه ، وقد نطق به الكتاب أيضا . قال اللّه تعالى : هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [ فاطر : 3 ] وقال : أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ [ الرعد : 16 ] الآية . والأصل في الجواب عن ذلك ، أنا لو خلينا وقضية اللغة ، لأجرينا هذا اللفظ على الواحد منا كما نجريه على اللّه تعالى لأن الخلق ليس بأكثر من التقدير ، ولهذا يقال ، خلقت الأديم هل لحي منه مطهرة أم لا ؟ وقال زهير : ولأنت تفري ما خلقت * وبعض القوم يخلق ثم لا يفري وقيل للحجاج : إنك إذا وعدت وفيت ، وإذا خلقت فريت ، أي إذا قدرت قطعت . وأظهر من هذا كله قوله تعالى : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي [ المائدة : 110 ] وقوله تعالى : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] ، فلو لا أن هذا الاسم مما يجوز إجراؤه على غيره وإلا لتنزل ذلك منزلة قوله : فتبارك اللّه أحسن الآلهة ، ومعلوم خلافه . في الاصطلاح : وأما في الاصطلاح فإنما لم يجز أن نجري هذا اللفظ على الواحد منا ، لأنه عبارة عمن يكون فعله مطابقا للمصلحة وليس كذلك أفعالنا ، فإن فيها ما يوافق المصلحة وفيها ما يخالفها ، فلهذا لم يجز إجراء هذه اللفظة على الواحد منا لا لشيء آخر . وأما قوله تعالى : هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ فليس فيه ما ظنوه لأن فائدة الكلام معقودة بآخره ، وقد قال تعالى : هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ [ فاطر : 3 ] ، ونحن لا نثبت خالقا غير اللّه يرزق ، وقوله تعالى : أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ الآية . فإنها مما لا يصح التعلق بظاهرها لأنها نفي التساوي ، وما هذا سبيله من الآيات فهي مجملة