القاضي عبد الجبار الهمذاني

25

شرح الأصول الخمسة

فموضعه باب نفي الرؤية ، والذي يختص هذا الوضع الكلام في أنه لا يجوز أن يعرف ضرورة . وهذه مسألة خلاف بين الناس . فعندنا ، أنه تعالى لا يعرف ضرورة في دار الدنيا ، مع بقاء التكليف . مخالفته للجاحظ والأسواري : وقد خالفنا في ذلك أصحاب المعارف ، كالجاحظ وأبي علي الأسواري . وقولنا في دار الدنيا مع بقاء التكليف ، هو ، لأن المحتضر وأهل الآخرة يعرفون اللّه تعالى ضرورة . مخالفته لأبي القاسم البلخي : وقد خالف فيه أبو القاسم البلخي وقال : إنه تعالى كما يعرف دلالة في دار الدنيا ، فكذلك في دار الآخرة لأن ما يعرف دلالة لا يعرف إلا دلالة ، كما أن ما يعرف ضرورة لا يعرف إلا ضرورة . وقد حكي عن بعض المتأخرين ، أظنه المؤيد باللّه قدس اللّه روحه ، أنه يجوز أن يكون من المكلفين من يعرف اللّه تعالى ضرورة في دار الدنيا مع بقاء التكليف ، كالأنبياء والأولياء والصالحين . عودة إلى الأدلة على أن اللّه لا يعرف ضرورة : والذي يدل على أن العلم باللّه تعالى ليس بضروري وإنما هو اكتسابي ، ما قد ثبت أنه يقع بحسب نظرنا على طريقة واحدة ووتيرة مستمرة ، فيجب أن يكون متولدا عن نظرنا ، وإذا كان كذلك فالنظر من فعلنا فيجب أن تكون المعرفة أيضا من فعلنا ، لأن فاعل السبب ينبغي أن يكون فاعل المسبب ، فإذا كان من فعلنا لم يجز أن يكون ضروريا ، لأن الضروري هو ما يحصل فينا لا من قبلنا . ويدل على ذلك أيضا ، هو أنها تقع بحسب قصودنا ودواعينا ، وتنتفي بحسب كراهتنا وصوارفنا مع سلامة الأحوال إما محققا وإما مقدرا فلولا أنها محتاجة إلينا ومتعلقة بنا وإلا لما وجبت فيها القضية ، وهذا أصل دليلنا في خلق الأفعال فإنا نقول بأن تصرفاتنا تقع بحسب قصودنا ودواعينا وتنتفي بحسب كراهتنا وصوارفنا مع سلامة الأحوال إما محققا وإما مقدرا ، فلولا أنها محتاجة إلينا ، ومتعلقة بنا ، وإلا لما وجبت فيها هذه القضية ، كما في تصرف الضرب واللون .