القاضي عبد الجبار الهمذاني

26

شرح الأصول الخمسة

فإن قيل على هذا الوجه الأول : إن هذه الطريقة توجب عليكم في اللون الحادث عند الضرب أن يكون من قبلكم لأنه يقع بحسب ضربكم ، يقل إذا قل ، ويكثر إذا كثر . قيل له : ليس ذلك اللون بحادث عند الضرب ، وإنما هو لون الدم انزعج بالضرب ، فلا يشبه مسألتنا . فإن قيل على وجه الثاني : يلزمكم أن يكون من العلم بمخبر الأخبار المتواترة من قبل المخبرين لأنه يقع بحسب قصدهم ودواعيهم ، قيل له : ليس كذلك ، ذلك علم من جهة اللّه تعالى يخلقه فينا عند خبرهم على ما سنبينه في موضعه إن شاء اللّه تعالى . ومما يدل على أن العلم باللّه تعالى لا يجوز أن يكون ضروريا ، هو أنه لو كان ضروريا لوجب في العادم له أن يكون معذورا ، لأن ذلك عند الخصم موقوف على اللّه تعالى حتى إذا اختار اللّه تعالى كان وإلا فلا . وهذا يوجب في الكفار كلهم أن يكونوا معذورين في تركهم معرفة اللّه تعالى وغير ذلك من المعارف . وهذا الوجه معتمد عليه ؛ والخصم عند هذا الكلام إما أن يرتكب كون الكفار كلهم معذورين في تركهم المعارف فيكفر بذلك . أو يقول إنهم إنما لم يعذروا لأنهم جحدوا ما عرفوه ، وهذا الاعتقاد وإن تخلص به من الكفر إلا أنه أظهر فسادا من الأول لأن الجحود إنما يجوز على العدد اليسير . فأما على العدد الكبير والحجم الغفير فلا . تتمة الأدلة على أنه تعالى لا يعرف ضرورة : وقد استدل على أنه تعالى لا يعرف ضرورة بوجوه منها : أنه تعالى لو كان العلم به ضروريا لوجب أن لا يختلف العقلاء فيه كما في سائر الضروريات من سواد الليل وبياض النهار ، ومعلوم أنهم مختلفون فيه ، فمنهم من أثبته ومنهم من نفاه . ومنها أنه لو كان كذلك لوجب أن لا يمكن نفيه عن النفس بشك أو شبهة . والمعلوم خلافه ، ولهذا فإنك تجد كثيرا ممن برز في الإسلام واشتهر به قد ارتد وكفر ونفى عن نفسه العلم باللّه تعالى ، كابن الراوندي وأبي عيسى الوراق إلا أن هذا مما لا يمكن الاعتماد عليه ، لأن لقائل أن يقول : ما أنكرتم أن هذه المعارف مع أن الكل ضرورية ، تنقسم إلى : ما يمكنكم نفيه عن النفس لأن ما يفعله اللّه تعالى منه أقل مما في مقدوركم من أضدادها ، وإلى ما لا يمكنكم دفعه عن النفس لأن ما يفعله اللّه تعالى منها أكثر مما في مقدوركم من أضدادها . وصار الحال فيه كالحال في الحركات