القاضي عبد الجبار الهمذاني
177
شرح الأصول الخمسة
ذلك ، ليرد من جهته جوابا يقنع . وقد قيل : إن بين الموضعين فرقا لأن إحدى المسألتين لا يمكن أن نستدل عليها بالسمع ، والأخرى يمكن ذلك فيها ، ففارق أحدهما الآخر . وأما ما ذكروه من أن السؤال سؤال موسى عليه السلام ، لأنه أضاف سؤال الرؤية إلى نفسه بقوله : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] ، فلا يصح ، لأنه غير ممتنع أن يكون السؤال سؤال قومه ثم إنه يضيفه إلى نفسه ، وهذا ظاهر في الشاهد . ألا ترى أن الكثير منا إذا شفع لغيره في حاجة ، ربما يقول : اقض حاجتي وأنجح طلبتي وما جرى هذا المجرى ، فيضيفه إلى نفسه وإن كانت الحاجة حاجة غيره . وأما ما قالوه من أن السؤال سؤال موسى ، لأنه تاب عن ذلك ، والتوبة لا تصح إلا من فعل نفسه ، فلا يصح أيضا ، لأن توبته هو ، لأنه سأل اللّه بحضرة القوم من غير إذن ، ولا يجوز من الأنبياء أن يسألوا اللّه تعالى بحضرة الأمة من غير إذن سمعي ، لأنه لا يمتنع أن يكون الصلاح أن لا يجابوا ، فيكون ذلك تنفيرا عن قبول قوله . وأما الصاعقة فلم يكن ذلك عقوبة ، وإنما كان ذلك امتحانا وابتلاء كما امتحن اللّه غيره من الأنبياء . وهذه الآية حجة لنا عليهم من وجهين : أحدهما ، هو أنه تعالى قال مجيبا لسؤاله رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قال لن تراني ولن موضوعة للتأبيد ، فقد نفى أن يكون مرئيا البتة ، وهذا يدل على استحالة الرؤية عليه . فإن قالوا : أليس أنه تعالى قال حاكيا عن اليهود وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [ البقرة : 95 ] أي لا يتمنون الموت ، ثم قال حاكيا عنهم يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ [ الزخرف : 77 ] فكيف يقال : إن لن موضوع للتأبيد ؟ قلنا : إن لن موضوعة للتأبيد ثم ليس يجب أن لا يصح استعماله إلا حقيقة ، بل لا يمتنع أن يستعمل مجازا ، وصار الحال فيه كالحال في قولهم أسد وخنزير وحمار ، فكما أن موضعها وحقيقتها لحيوانات مخصوصة ثم تستعمل في غيرها على سبيل المجاز والتوسع ، واستعمالهم في غيرها لا يقدح في حقيقتها ، كذلك هاهنا . والوجه الثاني من الاستدلال بهذه الآية ، هو أنه تعالى قال : لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي [ الأعراف : 143 ] علق الرؤية باستقرار الجبل . فلا يخلو ، إما أن يكون علقها باستقراره بعد تحركه ، وتدكدكه ، أو علقها به حال