القاضي عبد الجبار الهمذاني
178
شرح الأصول الخمسة
تحركه . لا يجوز أن تكون الرؤية علقها باستقرار الجبل ، لأن الجبل قد استقر ولم ير موسى ربه ، فيجب أن يكون قد علق ذلك باستقرار الجبل بحال تحركه ، دالا بذلك على أن الرؤية مستحيلة عليه ، كاستحالة استقرار الجبل حال تحركه . ويكون هذا بمنزلة قوله تعالى : وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ . ومما يتعلقون به ، قوله تعالى : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ [ الأحزاب : 44 ] وقوله تعالى : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً [ الكهف : 110 ] إلى غير ذلك من الآيات التي ذكر فيها اللقاء . والأصل في الجواب عن ذلك أن اللقاء ليس هو بمعنى الرؤية ، ولهذا استعمل أحدهما حيث لا يستعمل الآخر ، ولهذا فإن الأعمى يقول : لقيت فلانا وجلست بين يديه وقرأت عليه ، ولا يقول رأيته . وكذلك فقد يسأل أحدهم غيره هل لقيت الملك ؟ فيقول : لا ، ولكن رأيته على القصر . فلو كان أحدهما بمعنى الآخر لم يجز ذلك ، فثبت أن اللقاء ليس هو بمعنى الرؤية ، وأنهم إنما يستعملونه فيها مجازا ، وإذا ثبت ذلك ، فيجب أن نحمل هذه الآية على وجه يوافق دلالة العقل فنقول : المراد بقوله تعالى : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ [ الأحزاب : 44 ] أي يوم يلقون ملائكته ، كما قال في موضع آخر وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ [ الرعد : 23 ، 24 ] . وأما قوله عز وجل فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً [ الكهف : 110 ] أي ثواب ربه ، ذكر نفسه وأراد غيره . كما قال في موضع آخر وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ [ غافر : 42 ] أي إلى طاعة العزيز الغفار ، وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي أي إلى حيث أرني ربي . وكقوله وَجاءَ رَبُّكَ [ الفجر : 22 ] أي وجاء أمر ربك . وقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ يعني أهل القرية . ونظائر هذا أكثر من أن تحصى . وبعد ، فلو كانت هذه الآية دالة على أن المؤمنين يرون اللّه تعالى ، لوجب في قوله فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ [ التوبة : 77 ] أن يدل على أن المنافقين أيضا يرونه ، وهم ما لا يقولون بذلك . فليس إلا أن الرؤية مستحيلة على اللّه تعالى في كل حال ، وأن لقاءه في هذه الآية محمول على عقابه ، كما في تلك الآية محمول على لقاء ثواب اللّه أو لقاء الملائكة . وفي الحكاية أن قاضيا من القضاة استدل بقوله عز وجل : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ [ الكهف : 110 ] على أنه تعالى يرى ، فاعترض عليه ملاح فقال : ليس اللقاء بمعنى