القاضي عبد الجبار الهمذاني

130

شرح الأصول الخمسة

أحدهما أنه تعالى يستحق هذه الصفة لذاته ، وهو مذهب أبي علي . والثاني ، أن هذه الصفة للّه تعالى من مقتضى صفة ذاته ، وهو مذهب أبي هاشم . فعلى المذهب الأول لا كلام فيه ، وعلى المذهب الثاني فالصفة المقتضاة عن صفة الذات كصفة الذات ، فإنه بها يقع الخلاف والوفاق وأن بالاشتراك فيها يجب الاشتراك في سائر صفات تلك الذات . ما يدل على أن اللّه لا يجوز أن يكون عالما بعلم وأحد ما يدل على أنه تعالى لا يجوز أن يكون عالما بعلم ، هو أن هذه الصفة واجبة للّه تعالى ، والصفة متى وجبت استغنت بوجوبها عن العلة . وهذه الدلالة مبنية على أصلين ، أحدهما ، هو أن هذه الصفة واجبة للّه تعالى ، والثاني ، أن الصفة متى وجبت بوجوبها عن العلة . أما الذي يدل على أن هذه الصفة واجبة للّه تعالى ، فهو أنها لو لم تكن واجبة لكانت جائزة ، وهذا يوجب أن يكون القديم تعالى عالما بعلم محدث ، وقد أبطلنا ذلك من قبل . وأما الذي يدل على أن الصفة متى وجبت استغنت بوجوبها عن العلة فصفة العلة ، فإنها لما كانت واجبة استغنت بوجوبها عن العلة ، فكل ما شاركها في الوجوب وجب أن يشاركها في الاستغناء عن العلة . فإن قيل : إنما استغنت عن العلة لا لوجوبها ، بل لاستحالة قيام العلة بالعلة ، قلنا : فكان يجب أن لا يستغنى التحيز بوجوبه عن علة ، لأنه لا يستحيل قيام العلة بالمتحيز ، وقد علم خلافه . وبعد ، فإن هذا التعليل لا يتنافى مع ما قلناه ، فيعلل الحكم بهما . وفائدة التعليل أن أيهما كان ثبت الحكم . فإن قيل : هذا باطل بالصفة الصادرة عن اللّه نحو كونه متحركا ، فإنها تجب ولا يستغني عن العلة ، قلنا : هذا لا يلزمنا لوجهين ، أحدهما ، أن الجسم حصل متحركا مع الجواز لا مع الوجوب بخلاف مسألتنا ، والثاني ، أن الصفة الصادرة عن العلة لما وجبت لا جرم استغنت بوجوبها عن علة أخرى ، فقولوا مثل ذلك في مسألتنا .