فخر الدين الرازي

75

لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات

الجواب من وجوه الأول : أنه سبحانه وتعالى خصص كل صلاة بعدد وإن كنا لا نطلع على حكمة تلك المقادير ، فكذا هنا وجب على المسلم أن يعتقد في هذه التقديرات حكما بالغة وإن كان عقله لا يصل إلى تفاصيلها ، ولنذكر من هذا الباب أمثلة : الأول : رأينا السنة في صلاة الصبح مقدمة على الفريضة وفي صلاة العشاء مؤخرة عن الفريضة ، فالجاهل ربما يعجب من هذا والمقلد يقبل ذلك على سبيل التقليد ، والعارف يعرف بالبرهان أن هذا هو الترتيب اللائق بالحكمة وذلك لأن النوم مانع من أداء العبادة على سبيل الكمال ، فالإنسان إذا قام من منامه واشتغل بأداء الصلاة بقي معه شيء من آثار النوم ، ثم إنها بعد ذلك تزول بالكلية فلهذا قدمت السنة على الفرض ، حتى إن وقع خلل بسبب بقية النوم كان ذلك الخلل واقعا في السنة لا في الفريضة . أما في العشاء فالرجل يكون قد تعب في النهار كله فيغلبه النوم وتلك الغلبة لا تزال تتزايد عليه ساعة بعد ساعة ، فهاهنا قدمت الفريضة على السنة حتى إذا وقع خلل بسبب النوم يقع في السنة لا في الفريضة المثال الثاني : قال اللّه سبحانه وتعالى في صفة الزبانية « عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ » « 1 » والكفار يعجبون من هذا العدد المخصوص ، والعلماء ذكروا فيه وجوها . أحدها : أن اليوم بليلته أربع وعشرون ساعة خمس منها مشغولة بالصلوات الخمس بقيت تسع عشرة ساعة خلت عن ذكر اللّه فلا جرم كان عدد الزبانية بعدد هذه الساعات . وثانيها : أن أبواب جهنم سبعة قال اللّه تعالى « لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ » « 2 » ثم قال العلماء ستة منها للكفار وواحد للفساق ، وأركان الإيمان ثلاثة : إقرار واعتقاد وعمل ، بالكفار تركوا هذه الثلاثة فلهم بسبب تركهم لهذه الثلاثة الأركان ، ثلاثة من الزبانية على كل واحد من الأبواب الستة ، فكان المجموع ثمانية عشر وأما الباب الواحد للفساق فهم قد أتوا بالإقرار والاعتقاد وما أتوا بالعمل فلم تكن زبانيتهم

--> ( 1 ) الآية 30 من سورة المدثر . ( 2 ) جزء من الآية 44 من سورة الحجر .