فخر الدين الرازي

57

لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات

أكر برضا در آتش افكنى بوستان گردد * واگر بخشم ببهشت افكنى زندان شود فلما أحس أن الجنة قائمة برضا المولى ، وأن النار قائمة بسخط المولى أعرض عن الجنة والنار ورجع إلى صفة الملك الجبار ، ثم وقع في قلبه أنه كما أن قيام الجنة برضاه وقيام النار بسخطه ، فكذلك الرضا والسخط صفتان والصفة قيامها وقوامها بالموصوف ، فترقى عن الصفة إلى الموصوف فقال : « أعوذ بك منك » وفيه لطائف . الأولى : معناه لو كان هاهنا غيرك لاستعذت به خوفا منك لكنه ليس في الوجود إلا أنت فلا استعذت منك إلا بك . الثانية : أن الشكاية على ثلاثة أوجه : الشكاية من الحبيب إلى غير الحبيب وذلك يقتضي البراءة من الحبيب والشكاية من غير الحبيب إلى الحبيب وهي تقتضى التشريك في المحبة ، أما الشكاية من الحبيب إلى الحبيب فهو عين التفريد والتوحيد ، ثم هذه الشكاية ظاهرها شكاية وباطنها شكر ؛ لأن معنى هذه الشكاية أنه ليس لي بد منك وليس لي أحد سواك ، ولهذا قال أيوب عليه الصلاة والسلام « أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ » « 1 » ثم إن الحق سبحانه قال « إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ » « 2 » كأنه قيل إن كان قد شكا منا إلى غيرنا صار هذا قدحا في كونه صابرا لكنه شكا منا إلينا فبقى صابرا كما كان ، فإنه لم يقل يا أيها الناس إني مسني الضر ، بل نادى ربه أنى مسني الضر ، فعرض عجزه على قدرة مولاه وذله على عزته وحاجته على غناه ، والثالث : قال أعوذ بك منك ، والباء حرف الوصل ومن لابتداء الحركة والانفصال ، فكأنه عليه الصلاة والسلام استعاذ بالوصال عن الفراق ، وصار التقدير منهما إن عذبتنى فلا تعذبني بذل الفراق . ثم إنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر هذه الكلمات فكأنه قيل له هذه الأثنية

--> ( 1 ) جزء من الآية 83 من سورة الأنبياء . ( 2 ) جزء من الآية 44 من سورة ص .