فخر الدين الرازي
58
لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات
وإن كانت عالية الدرجة لكنها غير لائقة بك من وجوه . الأول : إن كلها يدل على طلب حصة النفس . والثاني : إنه إن كان التقدير هو الوصال فأي فائدة في السؤال ، وإن كان التقدير هو الفراق فأي فائدة لهذا السؤال ؟ ! والثالث إنا عصمناك قبل وجودك عن ذل الفراق والحجاب فلما عصمناك من هذه المحنة قبل السؤال فما فائدة هذا السؤال ، فعند هذا قال لا أحصى ثناء عليك ، وهذا اعتراف بأن علم الخلق في حضرته جهل وقدرتهم عجز وفصاحتهم : عىّ ، وكأنه قيل له مرة أخرى أنت في المقام الأول كنت مشتغلا بقدرتك على الاستعاذة وفي هذا المقام صرت مشتغلا بعجزك عن الاستعاذة ، فأنت في الحالين مشغول بصفاتك وما لم ينقطع نظر الرجل عما سوى اللّه تعالى لا يصل إلى اللّه تعالى ، فعند هذا قال « أنت كما أثنيت على نفسك » فقوله « لا أحصى » نفى وقوله « أنت كما أثنيت على نفسك » إثبات ، وهذا الأمر لا يتم إلا بالنفي والإثبات ، ثم عبر عن ذلك النفي بكلمة « لا » وعن ذلك الإثبات بكلمة « إلا » فصار المجموع قوله « لا إله إلا اللّه » فصار هذا معراجا لعامة العالمين ، كما أن الأول معراج لسيد المرسلين . ولنرجع إلى الآثار الدالة على فضيلة الذكر . الثاني : قال الضحاك بن قيس : اذكره في الرخاء يذكرك في الشدة ، فإن يونس عليه السلام لما ذكره حين وقع في البلاء صار سجنه مفتوحا وذكره مقبولا لأجل أنه كان ذاكرا قبل زمان البلاء ، بدليل قوله سبحانه وتعالى « فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ » « 1 » وأما فرعون فإنه ما ذكره إلا عند نزول البلاء وهو وقت الغرق ، فلا جرم ما صار مقبولا بدليل قوله « آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ » « 2 » . الثالث : قال بعض المشايخ للذكر خواص أربع . أحدها : الدوام ، قال اللّه تعالى
--> ( 1 ) الآيتان 143 ، 144 من سورة الصافات . ( 2 ) الآية 91 من سورة يونس .