فخر الدين الرازي
52
لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات
نفسه بل واقف بغيره ولغيره ، فلا جرم ما دمت تنظر إلى الممكن من حيث هو هو امتنع وقوفك ، أما الواجب لذاته فإنه مقطع الحاجات فامتنع الانتقال منه إلى غيره ، فالطلبات تنقطع عند فضله والحاجات تزول عند التعلق به ، فلهذا قال « أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ » . الثاني : أن جهات حاجات العبد غير متناهية والمخلوقات متناهية والمتناهى لا نسبة له إلى غير المتناهى ، فإذا حاجة العبد لا تزول بمجموع المخلوقات ، بل لا بد في مقابلة حاجاته التي لا نهاية لها من كرم وقدرة لا نهاية لهما وما ذاك إلا للحق سبحانه وتعالى ، فلهذا قال « أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ » . الحكمة الثانية للذكر : قوله تعالى « إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ » « 1 » ففائدة الذكر إزالة الظلمة البشرية ، وذلك لأن ما سوى الحق ممكن لذاته والممكن لذاته إذا ترك من حيث هو هو بقي على العدم والعدم منبع الظلمة ، فكل ما سوى اللّه مظلم في ذاته ، والحق واجب الوجود لذاته ، فحضرته منبع الأنوار ، فلا جرم كان الاشتغال محضرة القدس وجناب الجلال يفيد وصول أنوار عالم الربوبية إلى باطن القلب فتزول ظلمات البشرية عن القلب والروح . واعلم أنه تعالى كما بين منافع الذكر بين أيضا مفاسد الإعراض عن الذكر وهي أمور أربعة . الأول : قوله « وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ، قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ، قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى » « 2 » وهذه الآيات صريحة في أن ذكر اللّه بالنسبة إلى القلب كنسبة النور الباصر إلى الحدقة المعروفة ، والثاني قال « وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ » « 3 » . وتحقيقه أن
--> ( 1 ) الآية 27 من سورة الأعراف . ( 2 ) الآيات 124 ، 125 ، 126 من سورة طه . ( 3 ) الآية 36 من سورة الزخرف .