فخر الدين الرازي
53
لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات
الشهوة والغضب والوهم والخيال كلها تدعو الإنسان إلى الاشتغال بالجسمانيات وذلك ضد الاشتغال بخدمة اللّه تعالى ، والشيء كلما كان إلى أحد الضدين أقرب كان عن الضد الآخر أبعد ، فهذه القوى لما كانت داعية إلى الجسمانيات والقرب من الجسمانيات بعد عن الروحانيات فهذا البعد هو المعنىّ من قوله : « ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين » الثالث قوله تعالى « وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً » « 1 » الرابع قوله تعالى « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ » « 2 » ومما يدل على أن الذكر في غاية الشرف أنه سبحانه وتعالى لما أراد أن يشرح علو درجة الملائكة في مقام العبودية مدحهم بالذكر فقال « فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ » « 3 » وقال تعالى « لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ » « 4 » وقال أيضا « لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ » « 5 » وقال « وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ » « 6 » وقال « وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا » « 7 » هذا في حق الملائكة ، وأما في حق البشر فقال « فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ، رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ » « 8 » وقال لمحمد عليه الصلاة
--> ( 1 ) الآية 17 من سورة الجن . ( 2 ) الآية 9 من سورة المنافقون . ( 3 ) الآية 38 من سورة فصلت . ( 4 ) الآيتان 19 ، 20 من سورة الأنبياء . ( 5 ) الآية 206 من سورة الأعراف . ( 6 ) جزء من الآية 75 من سورة الزمر . ( 7 ) جزء من الآية 7 من سورة غافر . ( 8 ) الآيتان 36 ، 37 من سورة النور .