فخر الدين الرازي
51
لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات
والصحة والمرض فلم يبق لابن آدم حال رابعة . وقال أيضا : « فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ » « 1 » قال بعض المحققين إن اللّه تعالى لم يفرض على أحد من عباده فريضة إلا جعل اللّه له حدا معلوما تنتهى إليه ، وعذر أهلها في سائر الأحوال ، إلا الذكر فإنه لم يجعل له حدا معلوما ينتهى إليه ، ولم يعذر أحدا في تركه إلا من كان مغلوبا على عقله . وثالثها : قال « فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً » « 2 » والعلماء ذكروا في هذا التشبيه وجوها الأول : كأنه يقول علمت من تقصيركم أنكم لا تذكرونى كذكركم أولادكم فاذكروني كذكركم آباءكم . الثاني : أن ذكر الإنسان أباه يكون بالتعظيم وذكر الولد يكون بالشفقة ، واللائق بحضرة اللّه هو التعظيم لا الشفقة . الثالث : أنت جئت من الأب في الظاهر ومن قدرتى في الحقيقة فأنت تحبني كما تحب أباك وأنا أحبك كما يحب الولد وإن كنت منزها عن الصاحبة والولد . الرابع : اذكروا اللّه كذكركم آباءكم أي بالوحدانية ، لأن الابن لو نسب إلى غير الوالدين لاستنكف ونأبى ، فلا تجعل لنفسك آلهة كثيرة واستح من إثبات الشركاء . والخامس : تذكر أباك للاستعانة به في المهمات ، فاذكروني كما يذكر الطفل أباه عند نزول المهمات . السادس : قال ابن عباس إذا ذكر أبوك بسوء تغضب ، فكذا إذا ذكر اللّه بسوء يجب أن تغضب . السابع : أول ما يتكلم الصبى بقوله ايابه فكذا يجب أن يكون ذكر اللّه تعالى في أول كلامك . الثامن : أنك تكون أبدا رطب اللسان بمناقب الأب ، فكذلك يجب أن تكون أبدا رطب اللسان بتسبيح اللّه تعالى وتمجيده . ورابعها : ذكر في آيات أخرى حكمة الذكر وهي من وجهين أحدهما قوله « أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ » « 3 » وفي تفسير هذه الآية وجهان أحدهما أن ما سوى الحق ممكن لذاته والممكن لذاته يحتاج إلى غيره فالممكن لذاته واقف عند
--> ( 1 ) جزء من الآية 103 من سورة النساء . ( 2 ) جزء من الآية 200 من سورة البقرة . ( 3 ) جزء من الآية 28 من سورة الرعد .