فخر الدين الرازي
37
لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات
والعلم يقال فيما تدرك ذاته ، ولهذا يقال فلان يعرف اللّه ، ولا يقال فلان يعلم اللّه ؛ لأن معرفة اللّه تعالى ليست بمعرفة ذاته بل بمعرفة آثاره ؛ ولذلك تسمى رائحة العود بعرف العود لأن تلك الرائحة أثر من آثاره . وأما الفقه فهو عبارة عن فهم غرض المتكلم من كلامه وذلك يشعر بسابقة الجهل ، وأما الدراية فهي عبارة عن الشعور الّذي يحصل بضرب من الحيلة وهو تقديم الفكر والروية ، وأصله من ادّريت الصيد ، والدرية يقال لما يتعلم عليه الطعن ، والمدرى تقال لما يصلح به الشعر ، ولهذا لا يصح وصف اللّه تعالى به لأن معنى الحيلة محال عليه . وأما الفهم فهو صريح في سابقة الجهل . وأما اليقين فهو مأخوذ من يقن الماء في الحوض إذا اجتمع فيه ، فاليقين اسم لعلم كان في أول الأمر اعتقادا ضعفا ثم اجتمعت الدلائل فتأكد الاعتقاد وصار علما ، وأما العقل فهو مأخوذ من عقال الناقة وهو العلم المانع عن فعل ما لا ينبغي ، وهذا إنما يتحقق في حق من تدعوه الدواعي إلى فعل ما لا ينبغي . وأما الفطنة فهي عبارة عن سرعة إدراك ما يراد تفويضه على السامع وسرعة الإدراك مسبوقة بالجهل . وأما الطب فهو علم مأخوذ من التجارب ولهذا لا يقال فلان طبيب بالهندسة والحساب ، كما يقال عالم بالهندسة والحساب ، فثبت أن المنع من إطلاق هذه الألفاظ إنما كان لأنها توهم أمورا يمتنع ثبوتها في حق اللّه تعالى . فإن قال قائل : فلفظ الكبير والخداع والكيد والاستهزاء « 1 » يوهم أمورا يمتنع ثبوتها في حق اللّه تعالى ، فكيف ورد الإذن بإطلاقها في حقه سبحانه . فالجواب : أن الألفاظ الدالة على الصفات على ثلاثة أقسام : منها ما يدل على صفات ثابتة في حق اللّه تعالى قطعا ، ومنها ما يدل قطعا على أمور يمتنع ثبوتها في حق اللّه تعالى ولا يجوز إطلاقها عليه ، ومنها أمور ثابتة في حق اللّه تعالى ولكنها مقرونة بكيفيات يمتنع ثبوتها في حق اللّه تعالى كالمكر والخداع . والقسم
--> ( 1 ) مثل قوله تعالى في الكيد « إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً » .