فخر الدين الرازي
127
لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات
نفس العدم ، ويدل عليه أمران : أحدهما : أن الألفاظ وضعت دالة على الأحكام الذهنية لا على الموجودات الخارجية ، فإنك إذا قلت : العالم قديم فهذا لا يدل على كون العالم قديما في نفسه ، وإلا لكان إذا قلنا العالم قديم العالم حادث ، لزم كون العالم قديما وحادثا معا ، وذلك محال ؛ بل هذا الكلام يدل على حكمك بعدم العالم ، فثبت أن الألفاظ وضعت دالة على الأحكام الزمنية ، لا على الأعيان الخارجية ، وإذا كان كذلك كان صرف الاستثناء إلى الحكم بالعدم أولى من صرفه إلى العدم ، لأن المدلول القريب للفظ هو الحكم الذهني ، أما الأمر الخارجي فمدلول الذهن ، وصرف اللفظ إلى مدلوله القريب أولى من صرفه إلى مدلوله البعيد . والثاني : أن عدم الشيء في نفسه ، ووجوده في نفسه ، لا يقبل تصرف العين ، بل حكم ذلك العدم والوجود يقبل تصرف القابل ، وإذا كان كذلك ثبت أن عود الاستثناء إلى الحكم أولى من عوده إلى المحكوم به . الحجة الثانية : في بيان الاستثناء من النفي ليس بإثبات ، هو أنه جاء في الحديث ، والعرف صور كثيرة من الاستثناء من النفي مع أنه لا يقتضي الثبوت ، قال عليه الصلاة والسلام « لا نكاح إلا بولي ، ولا صلاة إلا بطهور » ويقال في العرف لا غنى إلا بالمال ، ولا مال إلا بالرجال ، ومرادهم من الكل مجرد الاشتراط ، أقصى ما في الباب أن يقال : وقد ورد هذا اللفظ في صور أخر ، وكان المراد أن يكون المستثنى من النفي إثباتا إلا أنا نقول هذا يقتضي أن يكون مجازا في إحدى الصورتين ، فنقول : إن قلنا إنه لا يقتضي أن يكون الخارج من النفي إثباتا ، فحيث أفاد ذلك احتمل أن تكون تلك الزيادة مستفادة من دليل منفصل ولا يكون ذلك تركا لما دل اللفظ عليه . أما إن قلنا إنه يقتضي أن يكون الخارج من النفي إثباتا ، فحيث لا يفيد ذلك لزمنا ترك ما دل اللفظ عليه ، ومعلوم أن الأول أولى ؛ لأن إثبات الأمر الزائد