فخر الدين الرازي
128
لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات
بدليل زائد ليس فيه مخالفة للدليل ، أما ترك ما دل الدليل عليه فيكون مخالفا الدليل ، فثبت بما ذكرنا أن الاستثناء من النفي لا يكون إثباتا . إذا عرفت هذا فنقول قولنا لا إله إلا اللّه تصريح بنفي سائر الإلهية ، وليس فيه اعتراف بوجود اللّه تعالى ، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون مجرد هذا القول كافيا في صحة الإيمان ، ومما يؤكد هذا الإشكال أنا قد دللنا على أن كلمة إلا هاهنا بمعنى غير ، وإذا كان كذلك كان قولنا إلا اللّه معناه غير اللّه ، فيصير المعنى نفى إله يغاير اللّه ، ولا يلزم من نفى ما يغاير الشيء إثبات ذلك الشيء وحينئذ يتوجه الإشكال المذكور . والجواب من وجهين : الأول : أن إثبات الإله سبحانه كان متفقا عليه بين العقلاء ، بدليل قوله « لَيَقُولُنَّ اللَّهُ » « 1 » فكان ذلك مفروغا عنه متفقا عليه ، إلا أنهم كانوا يثبتون الشركاء والأنداد ، فكان المقصود من هذه الكلمة نفى الأضداد والأنداد ، فأما القول بإثبات الإله للعالم ، فذاك من لوازم العقول . الثاني : أن يقول هذه الكلمة وإن كانت لا تفيد الإثبات بأصل الوضع اللغوي إلا أنها تفيده بالوضع الشرعي . المسألة الخامسة : اعلم أنه يجوز أن يقال لا رجل في الدار ، وأن يقال لا رجل في الدار ، أما على الوجه الأول فإنه يقتضي انتفاء جميع أفراد هذه الماهية ، والدليل عليه أن قولنا لا رجل يقتضي نفى ماهية الرجل ، ونفى الماهية يقتضي انتفاء كل فرد من أفراد الماهية ، لأنه لو حصل فرد من أفرادها فقد حصلت ضرورة أنه متى حصل فرد من أفرادها فقد حصلت ، أما قولنا لا رجل في الدار فهو قبض لقولنا رجل في الدار ، ولكن قولنا رجل في الدار يفيد ثبوت رجل
--> ( 1 ) جزء من الآية 61 من سورة العنكبوت ، 25 لقمان ، 38 الزمر 87 الزخرف .