فخر الدين الرازي

126

لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات

المسألة الثالثة : محل ( إلا ) اتفق النحويون على أن محل إلا في هذه الكلية محل غير ، والتقدير لا إله غير اللّه ، وهو كقول الشاعر : وكل أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك الا الفرقدان والمعنى كل أخ غير الفرقدين ، فإنه يفارقه أخوه ، وقال تعالى « لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا » « 1 » قالوا . التقدير غير اللّه ، والّذي يدل على صحة ما قلنا هذا ، أنا لو حملنا إلا على الاستثناء لم يكن قولنا إلا اللّه توحيدا محضا ، لأنه يصير تقدير الكلام لا إله يستثنى عنهم اللّه ، فيكون هذا نفيا لآلهة مستثنى عنهم اللّه ولا يكون نفيا لآلهة لا يستثنى عنهم اللّه ، بل عند من يقول بدليل الخطاب يكون إثباتا لذلك وهو كفر ، فثبت أنه لو كانت كلمة إلا محمولة على الاستثناء لم يكن قولنا إلا اللّه توحيدا محضا ، ولما اجتمعت العقلاء على أنه يفيد التوحيد المحضر وجب حمل إلا على معنى غير حىّ يصير معنى الكلام لا إله غير اللّه . المسألة الرابعة : قال قوم من الأصلين : الاستثناء من النفي لا يكون إثباتا واحتجوا عليه بوجهين : الأول الاستثناء مأخوذ من ثنيت الشيء عن جهته إذا صرفته عنها ، فإذا قلت لا عالم إلا زيد فهاهنا أمران ، أحدهما : الحكم بهذا العدم ، والثاني نفس هذا العدم ؛ فقولك إلا زيدا يحتمل أن يكون عائدا إلى حكمك بهذا العدم ، أو إلى نفس ذلك العدم ، فإن كان الأول لم يلزم تحقق الثبوت ، لأن بسبب الاستثناء زال الحكم بالعدم ، فبقى المستثنى مسكونا عنه غير محكوم عليه بنفي ولا إثبات ، وحينئذ لا يلزم الثبوت ، وأما إن كان تأثير الاستثناء في صرف العدم ومنعه ، فحينئذ يلزم تحقق الثبوت ، لأن عند ارتفاع العدم وجب حصول الوجود ضرورة أنه لا واسطة بين النقيضين . إذا ثبت هذا فنقول : عود الاستثناء إلى الحكم بالعدم أولى من عوده إلى

--> ( 1 ) جزء من الآية 22 من سوره الأنبياء .