فخر الدين الرازي

125

لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات

قد حكمت بأن السواد قد انقلب إلى نقيضه ، وقلب الحقائق محال ، أما إذا قلت السواد ليس بموجود كان هذا كلاما معقولا منظما ، فلهذا السبب أضمرنا فيه هذا الاضمار . والجواب : قولكم نفى الماهية غير معقول ، قلنا هذا باطل ، فإنك إذا قلت السواد غير موجود فقد نفيت الوجود لكن الوجود من حيث هو وجود ماهية ، فإذا نفيته فقد نفيت الماهية المسماة بالوجود ، وإذا كان كذلك صار نفى الماهية كلاما معقولا منتظما ، وإذا عقل ذلك فلم لا يجوز إجراء هذه الكلمة على ظاهرها ! ؟ لا يقال : إنا إذا قلنا السواد ليس بموجود فإنا ما نفينا الماهية ، وما نفينا الوجود ، ولكننا نفينا موصوفية الماهية بالوجود . لأنا نقول موصوفية الماهية بالوجود هل هي أمر مغاير للماهية والوجود أم لا ؟ فإن كانت مغايرة لهما كان لذلك المغاير ماهية ، وكان قولنا السواد ليس بموجود نفيا لتلك الماهية ، وحينئذ يعود الكلام المذكور ، وإن لم تكن مغايرة لهما كان نفى هذه الموصوفية إما نفيا للماهية أو الموجود ، وحينئذ يلزم أن يكون الماهية قابلة للنفي ، فثبت أن على التقديرين لا بد من القطع بأن الماهية تقبل النفي ، ومتى كان الأمر كذلك لم يكن بنا حاجة إلى ذلك الاضمار البتة ، فصح أن قولنا لا إله إلا اللّه يفيد المقصود بظاهره من غير حاجة البتة ، إلى الإضمار . المسألة الثانية : رأى النحويين في لفظ اللّه في قولهم لا إله إلا اللّه : قال النحويون قولنا لا إله إلا اللّه أو إلا هو ارتفع فيه هو لأنه يدل عن موضع إلا مع الاسم ، بيانه أنك إذا قلت ما جاءني رجل إلا زيد فزيد مرفوع بالبدلية . لأن البدل هو الإعراض عن الأول ، والأخذ بالثاني ، فصار التقدير ما جاءني إلا زيد ، وهذا معقول ، لأنه يفيد نفى المجىء عن الكل إلا عن زيد ، أما قوله جاءني القوم إلا زيد ، فهاهنا البدلية غير ممكنة ، لأنه يصير التقدير جاءني إلا زيد ، وهذا يقتضي أنه جاء كل أحد إلا زيد وذلك محال ، فظهر الفرق .