غازي عناية

53

شبهات حول القرآن وتفنيدها

هو نسيان غفلة ، وغيبة ، وتذكر . وهذا ما يتعرض إليه البشر عادة ، والرسول « صلّى اللّه عليه وآله وسلم » من البشر ينسى ، ويغفل ، ويغيب عليه الأمر أحيانا . فروايات الحديث لا تعني أبدا أن الآيات القرآنية التي سمعها الرسول « صلّى اللّه عليه وآله وسلم » من الرجل الذي كان يقرأها ، وهو عباد بن بشار لا تعني أنّها قد انمحت من ذهن الرسول « صلّى اللّه عليه وآله وسلم » وإنما غاية ما عنته : أن تلك الآيات كانت غائبة عن الرسول « صلّى اللّه عليه وآله وسلم » ، وكان لا يتذكرها في تلك اللحظة ، ثم ذكرها ، وافتكرها بقراءة عباد بن بشار . ومن المعلوم أنّ غيبة الشيء ، وغفلة الذهن غير محوه . والدليل على ذلك أنّ الإنسان بطبعه - والرسول إنسان - قد يغيب عنه النص أحيانا إذا اشتغل الذهن بغيره ، وهو يدرك في نفس الوقت أن النص مخزون في ذهنه سيستحضره إذا ما نبه إليه ، وسيفتكره ، وسيتذكره إذا ما ذكر إليه . أمّا النسيان التام المرادف لإيحاء الشيء من الذاكرة ، فهذا مستحيل على الرسول « صلّى اللّه عليه وآله وسلم » ، وخاصة فيما يتعلق بمهام التبليغ للرسالة ، والبيان للقرآن . فنسيان الرسول « صلّى اللّه عليه وآله وسلم » لم يكن نسيان تبليغ ، أو نسيان بيان للقرآن أبدا ، فهو قد أبلغ ما نزل عليه من قرآن ، وأطاع أمر اللّه في التبليغ ، واللّه تعالى يقول : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ سورة المائدة آية 67 . واللّه تعالى قد تكفل ببيانه وتبليغه للناس على لسان رسوله . فهو يقول : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ سورة القيامة الآيات 16 - 19 . وما دامت العناية الإلهية قد تكفلت ببيان القرآن ، وتبليغه للناس على لسان نبيه ، فكيف يعقل أن يكون الرسول « صلّى اللّه عليه وآله وسلم » قد نسي شيئا من القرآن ، أو أسقطه ، ولم يبلغه للناس ! ! . ولا شك أنّ نسيان الرسول « صلّى اللّه عليه وآله وسلم » ، والذي ورد في الحديث لم يك نسيان تبليغ ، أو بيان ، أو تعليم ، وإنما كان نسيان غفلة ، وغيابا ذهنيا ، وعدم تذكّر ليس إلّا .