عبد الملك الجويني

98

الشامل في أصول الدين

أولا ، ولكن كانت معها موانع فلم تقتض الآثار . وهذا إن قالوه إفصاح منهم بإثبات معان مع العنصر ، وهو خلاف معتقدهم . على أنا نسائلهم عن الموانع وقدمها وحدثها ، فإن حكموا بقدمها ، استحال زوالها ، فإن القديم لا يعدم اتفاقا . وإن حكموا بحدوثها ، لزمهم تثبيت الآثار قبلها ، وانجرت عليهم ضروب من المناقضات لا يخفى عن المحصل دركها . ولولا إيثار الاختصار ، لانبسط القول عليهم في كل من أطراف الكلام . وسنستقصي الرد على الطبائعيين إن شاء اللّه . وأما الصائرون إلى صرف الآثار إلى الصانع ، فقد قربوا من الحق في إثباتهم الصانع . والوجه : الرد إلى نفي العنصر ، وقد أشبعنا القول فيه آنفا . على أنا نقول لهم : إن سمحت نفوسكم بالمصير إلى أن الآثار حدثت بالصانع ، فاجعلوا الهيولى حادثا واقعا أيضا باقتدار الصانع . والذي يوضح الحق فيما قلناه : إن الأعراض لا عنصر لها ، بل تحدث بديا بالصانع ، فإن لم يبعد حدوث الأعراض من غير عنصر ، لم يبعد ذلك في الجوهر . وأما القائلون بالانفعال من غير اقتضاء مقتض ، وقصد قاصد فسيأتي الرد عليهم عند ذكرنا افتقار الحدث إلى محدث . على أنا نقول لهم : إن لم يبعد حدوث الأعراض وانفعالها من غير مقتض ، فاحكموا بحدث الجواهر من غير مقتض . وهذا ما لا مخلص منه . ومن الصائرين إلى العنصر من يقول : لا نعلم أن العنصر انفعل أو اقتضته طبيعة أو قصد قاصد انفعالها ، وهؤلاء لا يخلون وشكهم ، بل نوضح لهم فساد جملة الأقسام التي ترددوا فيها . فهذه جمل وجيزة مقنعة في الرد على أصحاب العنصر . ولا تستقيم على أصول المعتزلة لأوجه : منها أن الصالحي منهم : جوّز تعري الجواهر عن جملة الأعراض ، فما مخلص له من جميع ما ألزم على الهيولى والقول بالعنصر . وجوّز الكعبي تعري الجواهر عن الأكوان . وجوّز البصريون التعري عن الألوان ما عدا الأكوان ، فلا يستقيم لهم مع هذه الأصول طرد دلالة . ومن أركان الرد على القائلين بالعنصر قولنا : إن ما يتعدد ، ولم يكن متعددا ، يجب أن يكون متجددا . وقد أفسد الجبائي ذلك على نفسه ومتبعيه حيث قال : من قرأ آية من القرآن ، فقد وجد مع قراءته كلام اللّه تعالى ، فلو انتدب للقراءة ألف من القراء ، فيوجد مع قراءة كل