عبد الملك الجويني

99

الشامل في أصول الدين

واحد منهم كلام اللّه ، والذي يوجد مع الجميع ، غير ما وجد مع الأول من غير زيادة . فلئن جاز ذلك ، جاز لأصحاب العنصر أن يقولوا : العنصر واحد ثم انقسم ، ولم يزد . ومن أعظم ما يصدهم عن الرد : اثباتهم جواهر في العدم هي ذوات على الحقائق ، عريّة عن الأعراض ، وهذا تصريح منهم بمذهب القوم . قال الأستاذ أبو إسحاق : ناظرت بعض رؤسائهم - يعني ابن عبّادة « 1 » - وألزمته في خلل الكلام مذهب الدهرية في إثبات جواهر لا متقاربة ولا متباعدة . فقال مجيبا : الفلاسفة على فطنهم أعقل مما يظن ، وقد ذهلت عن حقيقة مذهبهم ، ولا يظن بهم إثبات جواهر موجودة ليست بمجتمعة ولا مفترقة ، ولكنهم عنوا بخلوها عن الأعراض عدمها ، فلم يحسنوا العبارة عن معتقدهم . قال الأستاذ : فقلت له : بم ينكر الصاحب على من يقول من الفلاسفة إن المعتزلة أعقل من أن يقولوا الجواهر على حقائقها ، وليست موجودة بل هي موجودة عندهم ، وعبروا بعدمها عن عروها عن الأعراض ، فلم يجد مقالا يحكى ، فالذي قاله ذب عن الفلاسفة ، وتصريح بموافقتهم . فصل في الرد على الطبائعيين اعلموا وفقكم اللّه أن الصائرين إلى الطبائع فريقان : أحدهما : يوافقون أهل الإسلام في القول في حدث العالم وإثبات الصانع ، ولكنهم يصيرون إلى أن اللّه تعالى خلق الأجسام على طبائع وخواص تقتضي أفعالا طبيعية ، غير صادرة عن اختيار . وقد مال إلى ذلك ثمامة ابن أشرس « 2 » طائفة من المعتزلة ، والكلام على هؤلاء يتعلق بأحكام القدر وإبطال التولد ، فاقتضى الترتيب تأخير الكلام على هؤلاء .

--> ( 1 ) إسماعيل بن عباد بن العباس ( 326 - 385 ه - 938 - 995 م ) أبو القاسم الطالقاني ، وزير غلب عليه الأدب ، فكان من نوادر الدهر علما وفضلا وتدبيرا وجودة رأي ، استوزره مؤيد الدولة ابن بويه الديلمي ثم أخوه فخر الدولة . ولقب بالصاحب لصحبته مؤيد الدولة من صباه . ولد في الطالقان وإليها نسبته ، وتوفي بالري ونقل إلى أصبهان فدفن فيها . له تصانيف جليلة منها « المحيط » و « الوزراء » و « الكشف عن مساوئ شعر المتنبي » وغير ذلك . الأعلام 1 / 216 ، ومعجم الأدباء 2 / 273 - 343 . ( 2 ) ثمامة بن أشرس النميري ، أبو معن ( . . . - 213 ه - . . . - 828 م ) من كبار المعتزلة ، وأحد الفصحاء البلغاء المقدمين . كان له اتصال بالرشيد ، ثم بالمأمون ، وكان ذا نوادر وملح ، من تلاميذه الجاحظ ، وأراد المأمون أن يستوزره فاستعفاه . أتباعه يسمونه « الثمامية » نسبة إليه . الأعلام 2 / 100 - 101 ، ولسان الميزان 2 / 83 ، وميزان الاعتدال 1 / 173 .