عبد الملك الجويني
97
الشامل في أصول الدين
هذا إن قال الخصم : إن الجوهر متحيز . وإن زعم أنه غير متحيز في أوله ، ويثبت له حكم التحيز فيما لا يزال ، فهذا باطل من أوجه : منها أنا قدمنا أن حقيقة الجوهر : المتحيز . ففي نفي التحيز في الأزل نفي الجواهر . وأقصى غرضنا أن ينفي خصمنا الجوهر في الأزل ، وقد صرح بنفيه من حيث المعنى ، فلا يضرنا بعد ذلك تسمية ما لم يتحيز جوهرا . وهذا ما لا محيص له . على أنا نقول : ما لا يكون متحيزا ، إذا ثبت له وصف التحيز ، فقد انقلب جنسه ، ولو جاز انقلاب الجنس من هذا الوجه ، وجب تجويز انقلاب أجناس الأعراض حتى تتحيز وتخرج عن أوصافها ، وتصير شاغلة للأحياز بعد أن لم تكن كذلك . إذ ليس خروج موجود واحد إلى التحيز بعد أن لم يكن متحيزا ، أولى من خروج سائر الأعراض إلى وصف التحيز . على أنا نقول : لو جاز أن يتحيز ما لم يكن متحيزا ، لجاز أن يخرج عن التحيز المتحيز ، فليس الانقلاب من أحد الوصفين إلى الآخر أولى من عكسه . فاتضح فساد القول بالعنصر من كل وجه . ومن اشتمل واعتضد بما قدمناه من قواعد حدث العالم ، وجد في بسط الرد عليهم مقالا . فهذا ضرب من الكلام عليهم . ومن وجوه الكلام عليهم أن نقول : قد زعمتم أن الهيولى كان عريا عن الأعراض ، ثم حدثت الأعراض ، فلا تخلون إما أن تقولوا : حدثت بقوة طبيعية في الهيولى ، وهو المذهب لطائفة منهم . وإما أن تقولوا : حدثت التأثيرات في الهيولى بصانع قديم ، وإلى ذلك صار القدماء من الفلاسفة . أو تقولوا : انفعل الهيولى من غير اقتضاء طبيعة ولا قصد قاصد ، وهذا مذهب آخرين منهم . وجملة الأقسام باطلة . فأما القول بالقوة الطبيعية ، فسبيل إيجاب القول بالرد على القائلين [ بها ] أن نقول : القوة التي ادعيتموها لا تخلو : إما أن تكون ثابتة في الأزل ، أو تثبت فيما لا يزال . فإن ثبتت في الأزل ، وجب أن يثبت مقتضاها في الأزل أيضا ، فإن مقتضى الطبيعة عند القائلين بها ، لا يستأخر عنها مع ارتفاع الموانع . فيلزم من ذلك القول بقدم التأثيرات ، وهذا إبطال مذهب أصحاب العنصر ، فإنهم حكموا بحدث الآثار وقدم العنصر . وإن زعموا أن القوة الطبيعية حادثة ، قيل لهم : فما مقتضيها ، وما يوجب حدوثها ؟ وإن زعموا أنها تثبت من غير اقتضاء ، فليقولوا : ثبتت جملة الآثار من غير اقتضاء . وهذا اندخال في مذهب الانفعال . فإن راموا مما أريد بهم مخلصا ، وزعموا أن القوة تثبت