عبد الملك الجويني
96
الشامل في أصول الدين
فإن قيل : فقد أثبتم الجوهر في حال حدوثه غير متحرك ولا ساكن ، فلا تستبعدوا مثل ذلك منا في الأزل . قلنا : نحن نزعم أن الجوهر في حال حدوثه مختص بكون ، وليس في أصحابنا من ينكر ذلك . وإنما الخلاف في تسميته سكونا أو حركة ، فثبّتوا الكون في الأزل ، وناقشوا في تسميته ، وإنما غرضنا التعرض للمعاني دون الألفاظ . ثم نقول : اختلف المحققون على مذهبكم في الجوهر في حال حدوثه . فصار صائرون إلى أن الكون القائم به المقتضي له الاختصاص بمكان أو تقدير مكان ، لا يسمى حركة ولا سكونا ، إذ لو سمي حركة كان ذلك محالا من حيث كانت الحركة زوالا وكونا في المكان الثاني بعد الكون في غيره . وإنما يتحقق ذلك في حالتين ، فاستحال إثباته في الحالة الأولى . ولم يسم سكونا من حيث ينبئ السكون عن اللبث والاستقرار ، واستقرار الكون في الجهة الواحدة . وهذا لا يصح في حالة واحدة ، فامتنعوا عن تسمية الكون الأول حركة أو سكونا . فإن سلكنا هذه الطريقة ، قلنا لأصحاب العنصر والهيولى : قد فارقناكم من وجهين : أحدهما : أنا أثبتنا كونا ؛ وامتنعنا عن تسميته ، وأنتم نفيتم الكون عن العنصر في الأزل . والآخر : أن الذي منعناه من تسمية ذلك الكون سكونا ، إيجاد الحالة الأولى ، وعدم استمرار الوجود بعد ، وأنتم أثبتم العنصر أزليا ، والأزلي مستمر الوجود . فما الذي منعكم من تثبيت كون هو سكون على الحقيقة ؟ فهذه طريقة واحدة . وذهب القاضي في الكتاب المترجم « بالنقض » إلى أن الجوهر في الحالة الأولى ساكن . والدليل عليه أنه غير زائل ولا متنقل ، وكل جوهر لا يتصف بالانتقال يجب اتصافه بالسكون . والذي يوضح ذلك أنه إذا اختص بجهة في أول حال حدوثه ، ثم بقي فيها في الحالة الثانية ، والكون غير باق عندنا ، وكذلك سائر الأعراض . ثم الكون الثاني مثل الكون الأول باتفاق ، ولا امتناع من تسمية الكون الثاني سكونا ، والأول مثل الثاني . وكل حكم يثبت للشيء ، يثبت لمثله . فإذا قيل له رضي اللّه عنه : السكون ينبئ عن لبث ولا يتحقق ذلك في الحالة الأولى . قال : هذا تفضل في العبارة ، ولم تنطق بها يعرب ولا قحطان . ولو عرضت هذه المعاني على أهل اللغات ، لم يدركوها إلا بدقيق النظر ، فلا معنى للاعتصام باللغة ، وقد وضح تماثل الكونين في الحالين عقلا . فإن سلكنا هذه الطريقة ، سقط . بها تشغيب الفلاسفة عند عكسهم علينا قولنا في خروج الجوهر عن كونه متحركا أو ساكنا ، فافهموه أرشدكم اللّه .