عبد الملك الجويني
91
الشامل في أصول الدين
لا يفضي إلى العلم . وفي الاستشهاد عليهم بالنواقض متسع ، وفيما قلناه مقنع . على أنا نقول : لو قلب قالب عليكم دعواكم ، لم تكونوا أسعد حالا منه . فإن قائلا قال : ما غاب عن المشاهدات ، ينبغي أن يقدر على خلاف صفات المحسوسات ، من حيث اختصت بالذهاب عن الإدراكات ، فما الفصل بين ما قدمتموه أولا ، وبين ما أبديناه الآن ؟ فلا يجدون إلى الفصل سبيلا ، ويسقط القولان الفاسدان المتعارضان . ثم نقول : كيف يستقيم ما ادعيتموه ، وقد أثبت معظمكم في الأزل الهيولى والعنصر ، وهو في كونه بسيطا غير قابل للأعراض مخالف للمدرك بالمشاهدات . وكذلك الطباع التي هي استقصات العالم وأصولها عند الطبائعيين كانت على التباين في الأزل ، ثم امتزجت وتركبت ، فتركب العالم من تركبها ، والمحسوس منها الآن على خلاف ما أثبتوه في الأزل ، ولم يستقم إذن من هؤلاء التشبث بالعوائد في المشاهدات مع إثباتهم ما يخالفها . فإن زعموا أن الاستشهاد بالشاهد على الغائب مما استدل به الإسلاميون ، فلا معنى للمنع منه . قيل لهم : لا سبيل إلى إنكار الاستشهاد بالشاهد على الغائب من كل وجه ، ولا سبيل إلى طرده من كل وجه ، وإنما يسوغ القول به إذا اجتمع الشاهد والغائب في علة أو شرط ، أو حقيقة أو دليل ، وسنبسط القول في ذلك في مفتتح الصفات إن شاء اللّه تعالى . والقسم الرابع من كلامهم يشتمل على ضروب من التمويهات تدل على جميعها طريقة واحدة . وهي أنهم قالوا : لو حكمنا بحدوث العالم ، لم يخل إما أن نقول : إنه حادث لعينه ، أو نقول إنه حادث لمعنى . فإن قيل : إنه حادث لعينه ، لزم منه أن يعلم حدثه ، من يعلم عينه ، وليس الأمر كذلك . وإن كان حادثا لمعنى ، فلا يخلو ذلك المعنى إما أن يكون قديما أو حادثا ، فإن كان قديما ، لزم الحكم بقدم مركبه ، وفيه القول بقدم العالم . وإن كان ذلك المعنى حادثا ، فالقول في حدوثه كالقول في حدوث العالم ، فيلزم أن يكون حادثا لمعنى ويتسلسل القول عند ذلك . وهذا الذي ذكروه واضح البطلان ، فأول ما يلزمهم عليه أن يعارضوا بمثله في القدم ، فيقال لهم : إذا زعمتم أن العالم قديم ، لم يخل إما أن تقولوا : إنه قديم لعينه ، فيلزمه على مؤدي قولهم إنه يعلم قدمه من يعلم عينه . وإما أن تقولوا إنه قديم لمعنى ، فيتسلسل عليهم القول في قدم المعنى . ثم نقول : قد ثبتت صفة النفس ، ولا يدركها من علم النفس ، وهذا كما أنهم يسوغون أن يعلم الإنسان لونا ، ولا يعلم كونه سوادا ، فإن رجع كونه لونا وكونه سوادا إلى عينه ، فإذا لم يبعد ذلك فيما ألزمناكم ، لم يبعد في ما أوردتموه . ويتصل شرح ذلك في أحكام العلوم ، وسنذكر فيها جواز كون الشيء معلوما من وجه مجهولا من وجه .