عبد الملك الجويني

92

الشامل في أصول الدين

على أن من أئمتنا من صار إلى أن الحدوث ينبئ عن معلومين : أحدهما الوجود ، والثاني العدم المتحقق قبل الوجود . فإذا كان ذلك ، لم يلزم من علم أحدهما علم الثاني ، فاستبان سقوط السؤال من كل وجه . فصل إثبات حدث العالم والرد على القائلين بقدمه قد قدمنا في إثبات حدث العالم والرد على القائلين بقدمه على الجملة ما فيه غنى . ونحن الآن نذكر تفاصيل أقاويل مخالفي الإسلام ، ونرمز إلى الرد عليها . فالذي صار إليه أمم من الدهرية : أن العالم لم يزل على ما هو عليه الآن ، فلم تزل دورة قبل دورة ، واقتران الأنجم قبل اقتران إلى غير أول . ثم زعموا أن تأثيرات الفلك تتجدد ، كلما تجددت دوراته المتناسبة . وصار صائرون من هؤلاء إلى ما ذكرناه مع إثبات صانع مدبر . وزعموا أن العالم لم يزل مدبرا بتدبير الصانع ، وهذا ينسب إلى أبرقلس من الدهرية . وذهب معظم الفلاسفة إلى إبطال القول بحوادث لا أول لها ، فلما أبطلوا ذلك أثبتوا الهيولى والعنصر ، ثم اختلفوا في صفته . فقال بعضهم : كان الهيولى في حكم الموجود الواحد لا انقسام فيه ، وكان عريا عن الأعراض ، ثم انقسم وتجزأ ، وتركب وتشكل لما قامت به الأعراض . وصار صائرون من هؤلاء إلى أن الهيولى جواهر العالم ولم تزل متعددة منقسمة ، ولكن كانت بسيطة . وعنوا بذلك عروها عن الأعراض . ومما اختلف فيه أصحاب الهيولى أن قالوا : ما انقسم الهيولى بعد أن لم يكن منقسما ، وتركب صورا وأشكالا ، أو قبل الأعراض وكان عريا عنها . فمن صائرين منهم إلى أن صار إليه بقوة طبيعية حركية . وصار آخرون إلى أنه انعمل وانفعل من غير اقتضاء مقتضى وقصد قاصد ، وأثبت بعض منهم الصانع القديم ، وزعم أن التأثيرات ظهرت في الهيولى بقصد الصانع واختياره واقتداره . وذهب بعض مخالفي الإسلام إلى أن أصل العالم الطبائع الأربع ، ولم تزل متناثرة ثم امتزجت فاقتضى امتزاجها العالم . وأثبت بعضهم طبيعة خاصة معدلة جامعة بين الطبائع الأربع . وأثبت آخرون منهم ما قلناه ، وفضاء قدروه مكانا للطبائع التي هي استقصات العالم .