عبد الملك الجويني

90

الشامل في أصول الدين

يلزم الحكم بنفي البقاء عن الجوهر من حيث لم يعرّ عن المنقضيات غير ، الباقيات . ولا معنى لبسط القول فيما هذه سبيله . ولولا إشارة القاضي رضي اللّه عنه إلى هذه الاعتراضات ، لاقتضى ترتيب الكتاب الاضراب عن مثل هذا الكلام . فصل يشتمل على ذكر شبه الملحدة اعلموا عصمكم اللّه أن مجاري كلام الدهرية تحصرها أربعة أقسام : أحدها تقدم الفراغ منه ، وهو تعرضهم القدح في الأصول الأربعة المنيبة إليها ثبوت حدوث العالم ، وقد قدمنا من كلامهم ، وانقضى ، بما فيه مقنع . والقسم الثاني ، من شبههم يتصل بالتعرض لنفي الصانع ، ولهم في ذلك طريقان : أحدهما المصير إلى أن إثبات موجود قائم بنفسه مقدس عن الحادثات على ما يصير إليه الإسلاميون ، غير معقول . والطرق الأخرى تتعلق بالتعديل والتجوير ، فإنهم ربما يقولون : فعل ما لا يتضمن ضرا ونفعا إلى الفاعل ، ولا يدفع ضررا عنه من قبيل العبث والسفه إلى غير ذلك من مضاربهم في الحكمة والسفه . وسنستقصي الكلام عليهم في الوجهين إن شاء اللّه عز وجل . والقسم الثالث يشتمل على الاستشهاد بالشاهد على الغائب من غير رعاية وجه في الجمع بينهما ، وذلك أنهم يقولون : إذا لم يصادف الفلك إلا دوارا ، لزم الحكم بذلك أبدا . وإنا إن لم نشاهد دجاجة إلا من بيضة ، وإنسانا إلا من نطفة بين ذكر وأنثى ، لزم الحكم بذلك فيما غاب عنا . وهذا الذي ذكروه خروج عن المعقول . وأول ما يفاتحون فيه الطلبة . فيقال لهم : أتعلمون ما ادعيتموه من الاستشهاد بالشاهد على الغائب ضرورة أم تعلمونه نظرا ؟ فإن زعموا أنهم يعلمونه ضرورة ، سقطت مكالمتهم ، ورفضت محاجتهم . ثم لم يسلموا بأن يعارضوا بمثل دعواهم . وإن زعموا أنهم علموا ما ذكروه نظرا ، طولبوا بإظهاره ، فلا يجدون إلى ذكر طريق في النظر بعد ذلك سبيلا . ثم نقول : لو صح ما قلتموه ، لزم على طرده أن يحكم بنفي المانعات ، من لم يرها . ولو قدر أقوام مكفوفون في بعض جزائر البحار ، أو كانوا مدة في قطر من الأقطار ، فيلزم أن يحكموا بنفي الأبصار طردا لما ذكرتموه . فإن يأبوا مما ألزموا ، كان ذلك نقضا منهم لما مهدوه . وإن طردوا ، استبان أن الاستشهاد أذن بالشاهد على الغائب من غير تحرير وجمع ،