عبد الملك الجويني
87
الشامل في أصول الدين
مذاهب الدهرية تستند إلى إثبات حوادث لا أول لها ، وفي إيضاح إفساد ذلك تصريح بمنع عقائدهم بالنقض والرفض . ولم نذكر هذه الكلمات متمدحين ، بل أوردناها لنميز بين هذه الطريقة وبين ما عداها ، ولا نجري جميع الأدلة مجرى واحدا في الوضوح والخفاء . وقد ذكر الأئمة جملا من الأمثلة في تحقق هذا الأصل نحو قول بعضهم إلى المعلق حدوثه بتقدم حدوث ما لا يتناهى عليه : يستحيل ويفضي إلى منع تصور الحدوث . وضربوا لذلك مثالا فقالوا : إذا قال القائل لمن يخاطبه : لا أعطيك درهما إلا أعطيك قبله دينارا ، ولا أعطيك دينارا إلا أعطيك قبله درهما . فلا يصح منه اعطاء درهم ولا دينار على قصد شرطه . وهذا ونحوه يندرج تحت ما قدمناه من الطرق ، فلم نستحب الاطناب في إيراد الأمثلة ، فإنا شرطنا في كتابنا هذا التعرض للمقاصد من غير إخلال بها ، والاضراب عن التطويل بتكثير الأمثلة والعبارات ، واللّه ولي التوفيق . فإن قال من الملحدة قائل : إذا لم يبعد إثبات حوادث لا آخر لها ، لم يبعد إثبات حوادث لا أول لها ، وأشاروا بذلك إلى تجويز توالي الحوادث من غير انقضاء وتصرم . وهذا الذي ذكروه ساقط من أوجه : أقربها أنه ادعاء مجرد ، والكلام في حكم النظر لا يخلو : إما أن يكون دليلا ، وإما أن يكون قدحا واعتراضا . والذي ذكروه خارج من القسمين ، فإن ما قدمناه من الأدلة لا يقدح في شيء منها ما ذكروه والذي أبدوه لا يصلح أن يكون دليلا ، فإنه اقتصار على دعوى مجردة ، ومعارضة لفظية من غير رعاية المعنى . وهذا القدر كاف في الانفصال ، ولكنا نتعداه فنقول : حقيقة الحادث ما له أول . ففي نفي الأولية نفي حقيقة الحدوث ، وليس حقيقة الحادث ما له آخر ، فانفصل أحد الكلامين عن الآخر ووضح الفرق بينهما . ثم نقول : إنما الذي أنكرناه انقضاء ما لا يتناهى آحادا وتعاقبا ، وأحلنا أن ينقضي ما لا نهاية له بمرور الواحد بعد الواحد ، وقطعنا استحالة دخول ما لا يتناهى في الوجود ، وهذا مستنكر فيما الزمتموه . فإن الحوادث إذا كان لها مفتتح ، ثم كانت تتعاقب ، ولا يدخل في الوجود إلا معدود ، ولا ينقضي إلا محدود ، فلو ألزمونا في هذا الطرف انقضاء ما لا نهاية له ، لكان قادحا . وقد وضح أنه لا ينقضي إلا ما لا نهاية ، واندفع ما راموه . والذي يوضح ما قلناه : إن خصومنا وإن سوغوا حوادث لا أول لها ، ثم وصفوها بالانقضاء مع انتفاء النهاية عليها ، فلا يسوغون إثبات حوادث لها أول ، ثم يتعاقب منها ما لا نهاية له . فالذي ألزمونا مما أقروا بإنكاره مع تجويزهم غيره . فقد راموا الجمع بين شيئين ، مع اعترافهم بافتراقهما . وهذا القدر كاف في إيضاح ما رمناه . وضرب بعض الأئمة للفرق مثالا فقال : نظير انقضاء ما لا ينقضي ، قول القائل : لا