عبد الملك الجويني

88

الشامل في أصول الدين

أعطيك درهما إلا أعطيتك قبله درهما ، فيستحيل منه الإقدام على إعطاء درهم على موجب شرطه . ونظير ما ألزمونا في الآخر : لا أعطي درهما إلا أعطى بعده آخر ، وذلك غير ممتنع . وذكروا سوى ما قلناه . وأحسن الأمثلة ما أوردناه مع الاستغناء عنه ، فإن مرامنا أوضح من أن يحتاج فيه إلى عضده بالأمثلة . فصل [ الجواهر لم تعر عما له أول ] إذا ثبتت الأعراض وثبت حدثها ، وثبتت استحالة تعري الجواهر عنها ، واستبان أن للحوادث أولا ، فيخرج من مضمون هذه الأصول : أن الجواهر لم تعر عما له أول ، وإذا لم تعر عنه ، لم تسبقه ، إذ لو سبقته لكانت عارية عنه ، وما لا يسبق ما له أول ، فله أول . ولو خلينا وقضية ترتيبنا في الكتاب ، لاكتفينا في هذا الفصل بهذا القدر ، ولكن جرى رسم المحققين بإيراد أسئلة واضح اندفاعها . وقد أشار القاضي رحمه اللّه في « الشرح » إلى بعضها ، فلم نجد بدا من الإشارة إليها . فإن قال قائل : ما قلتموه لا يدل على تعيين أول للجواهر تخصيصا بوقت ، فإذا لم يدل على تعيين وقت حدثها ، فينبغي أن لا يدل على أصل حدثها على الجملة . وهذا من ركيك القول ومرذوله . فإن الذي قلناه يستند إلى العلم الضروري ، ويتضح مرامنا فيه بتقسيم البديهي مع تقرير ثبوت الأصول الأربعة . فإنه إذا وضح أن الجواهر لا تخلو عن الحوادث ، ولها أول ، فلا تخلو الجواهر إما أن تقدر قبل الحوادث ، أو تقدر مع الحوادث ، غير متقدمة عليها ولا متأخرة عنها ، أو تقدر متأخرة عنها . فإن قدرت متقدمة ، فقد عريت عن الحوادث ضرورة على هذا التقدير . وإن قدرت مقارنة ، فلم تكن الجواهر إذا موجودة قبل الحوادث . وإذا انتفى وجودها قبل الحوادث ، وتحقق وجودها مع الحوادث ، فقد بان أنها لم تكن فكانت ، وهذا معنى الحدوث . وإن قدرت الجواهر متأخرة عن الحوادث ، ففيها ثبوت ما نرومه من تأخرها ، وثبوتها بعد أن لم تكن . ولكنه يجر إلى أصل باطل وهو إثبات الأعراض قائمة بأنفسها . وقد قدمنا الدليل على بطلان ذلك . فاستبان أن كلامنا يستند إلى العلم الضروري ، فلا نقبل عليه شيئا من الترهات « 1 » ومعارضات العبارات . على أنا نقول : ليس من شرط معرفة الشيء تعين وقته . والذي يوضح ذلك : صحة معرفة افتقار الكتابة إلى الكاتب ، والبناء إلى الباني ، مع الذهول عن الوقت الذي اتفق فيه

--> ( 1 ) الترهات : ( ج ) ترهة : الباطل أو القول الخالي من النفع والتافه والمزخرف .