عبد الملك الجويني
86
الشامل في أصول الدين
بأنها تفريغ جهة واشغال أخرى . والتفريغ لا بد أن يسبق بإشغال ، فهي أبدا مسبوقة ، وهي أبدا لها أول . كذلك هاهنا في الانقضاء المسبوق بمنقض عند إخبارهم . وكذلك يجوز تقدير اطراد العادة في أن نعلم صدق المخبر الواحد إذا كان صادقا . فاستبان خروج ما الزمه السائل عن غرضنا ، بل الذي أردناه إيضاح حقيقة ، والحقائق لا تختلف بالانفراد والاجتماع . ومن أوضح ما نتمسك به أن نقول : إذا فرضنا الكلام في وقتنا هذا ، فقد انقضى قبله ما لا نهاية له ، ولو فرضنا قولنا في الوقت المتقدم على وقتنا بأحقاب ودهور ، لقال الخصم فيه : إنه انقضى قبله ما لا يتناهى ، ولا يزال يقدم الوهم ويقدر الانقضاء قبله . ويجرنا هذا الكلام إلى أحد أمرين كلاهما ينقضان أصول الدهرية . أحدهما أن نقول : ينتهي الوهم إلى وقت يقال فيه الآن ينصرم ما لا يتناهى ، حتى لا يتحقق هذا القول قبل ذلك الوقت . فإن ارتضى الخصم ذلك ، كان باطلا بضرورة العقل . فإنا نعلم أن تقدير وقت قبيل ذلك الوقت المعين الذي فرضنا الكلام فيه ، كتقدير ذلك الوقت ، وليس أحدهما أولى من الثاني ، ثم كذلك القول في وقت قبله إلى غير أول . والذي يوضح ذلك : أنا لو خصصنا ذلك بوقت معين ، لزم منه ، إذا نفي قبل هذا الوقت ، حادث واحد ، فالذي قبله متناه ، وما كان متناهيا ، لا يصير بواحد غير متناه ، وهذا معلوم ضرورة وبديهة . فاستبان بما قلناه بطلان قول من يقول : إنما ننتهي في تقديمنا أوهامنا إلى وقت يقال فيه : انقضى قبله ما لا يتناهى ، ولا يسوغ تقديم الوهم على ذلك الوقت ، فقد وضح بطلان ذلك . وإن زعم الخصم أن لا ننتهي في الحكم بانقضاء الحوادث إلى أول لا يتعدى ولا يتجاوز ، وأن حكم الانقضاء تحقق أزلا من غير أول ، فإن قال ذلك : اتضح تناقض قوله . فإن الذي يتحقق من غير أولية ، لا يتصور أن يقع قبله شيء ، حتى يكون مسوقا به ويكون المتقدم عليه سابقا له . إذ ما لا أول له لا يسبق ، فكيف يتحقق قبل الانقضاء المحكوم به في الأزل حوادث ، ثم انقضت . ولا تناقض يزيد على الحكم بإثبات حادث قبل الحكم فيه بانقضاء أزلي . وهذا تصريح بتقديم الحادث على الأزلي ، وهذا باطل بضرورة العقل . قال عبد الملك بن عبد اللّه بن يوسف الجويني : هذه الطريقة التي طردناها مقتضبة مجتلبة مما أشار إليه المشايخ رضي اللّه عنهم ، فما تركوا مما مهدوه من قواعد العقائد مضطربا للمتأخرين ، ولكني لم أر هذه الدلالة على هذه الصيغة المتقدمين ، وهي مما ألهمني اللّه تعالى لتحريرها ، ولو لم يكن في كتابنا هذا سواها لكان بالحرّي أن يغتبط به . فإن جملة