عبد الملك الجويني

79

الشامل في أصول الدين

ومما تمسك به الأئمة في الرد عليهم أن قالوا : إذا زعمتم أن الجواهر في الأزل لم تكن مجتمعة ولا مفترقة ثم اجتمع منها ما اجتمع ، وافترق ما افترق ، فالذي اجتمع منها لا يخلو : إما أن يجتمع عن افتراق أو يجتمع عن غير افتراق ، فإن اجتمعت عن افتراق ، فقد وضح قيام الافتراق بها قبل . وإن اجتمعت ولم تكن مفترقة قبل ، فهذا معلوم بطلانه ضرورة . فإن كل شيئين موجودين يحدث فيهما وصف الاجتماع ، ولم يكن متحققا ، فلا بد أن يحدث الانضمام عن تباعد . وأن يحدث تلاصق عن تباين ، وما قررناه في الاجتماع اللازم ترتيبه على الافتراق ، فيقرر في الافتراق ، ويلزم ترتيبه على الاجتماع . فإن قيل : لو لزم ما قلتموه في المجتمعات والمفترقات ، لزم مثله في الاجتماع والافتراق ، حتى يقال لا يعقل افتراق إلا عن اجتماع ، ولا اجتماع إلا عن افتراق ، وهذا يفضي إلى إثبات حوادث لا نهاية لها . قلنا : هذا الذي ذكرتموه مقابلة عبارة بعبارة ، وليس الغرض تتبع الألفاظ وصيغتها ، وإنما المقصد معانيها ، فلم ننكر عليكم ما قلتموه لتقليب الاجتماع والافتراق ، ولكنا رجعنا إلى المعقول : فعرفنا بديهة أن المتحيزين إذا كانا موجودين في حالة غير مفترقين فيها ، ثم افترقا في الحالة الثانية ، فلا بد أن يكونا مجتمعين قبلها ليفترقا ، وليس كذلك الافتراق . فإنه لا يبعد في موجب العقل أن يبدع اللّه الجواهر ، ويخلق فيها افتراقا لتكون متبددة في أول الفطرة . وإنما البعيد أن نثبت لها وجودا قبل افتراقها من غير اجتماع ولا افتراق ، فوضح ما قلناه واندفع ما سألوه . ومما تمسك به المحققون أن قالوا : قد أعطيتمونا معاشر الدهرية استحالة تعري الجواهر عن الأعراض بعد أن قبلتها ، ومنعتم عودها عنصرا بسيطا ، وأوجبتم قبولها للأعراض فيما لا يزال وجوبا ، فلا تخلون إما أن تقولوا : وجب ذلك لها فيما لا يزال لأنفسها ، فيلزم منه طرد ذلك في الأزل لوجود أنفس الجواهر في الأزل عندكم . وإما أن تقولوا ثبت ذلك لمعنى . فإن قلتموه ، لزمكم القول بقيام ذلك المعنى بالجوهر . ثم تبقى عليكم الطلبة في قبول ذلك المعنى ، فيلزم إثبات معنى آخر يوجب قبول المعنى الأول ، ثم يتسلسل القول . وإما أن تزعموا هذا الحكم وهو [ أن ] وجوب قبول الأعراض ثبت لا للنفس ولا لمعنى ، وهذا باطل . إذ لو جاز ثبوت هذا الحكم في وقت مخصوص مع جواز ثبوته قبله وبعده من غير مقض ، جاز أن يثبت للجوهر حكم التحرك من غير مقتض ، وفيه تصريح بنفي الأعراض . والقول بالعروّ عن الأعراض فرع للقول بثبوتها ، فلم يبق بعد ذلك إلا القطع بأن الجواهر إنما تقبل الأعراض لأنفسها .