عبد الملك الجويني

80

الشامل في أصول الدين

فإن قيل : أليس الخلق يختص بما لا يزال ويمتنع في الأزل ، فكذلك قبول الأعراض يثبت فيما لا يزال ولا يثبت في الأزل . وزعم أن التقسيم الذي ذكرناه ، ينعكس علينا فيما ألزمه ، وهذا الذي قاله باطل من أوجه : أقربها أن الذي أحلناه : إثبات خلق أزلي ، وهو مستحيل أبدا ، إذ الأزلي ما لا أول له ، والخلق ما افتتح إيجاده ، والجميع بينهما تناقض . والذي جوزناه خلق مفتتح ، فحيث تصور ذلك يجوز . ثم إذا تصور ، وكان مفتقرا إلى قصد قاصد واقتضاء مقتض ، وخصمنا يزعم أن الأعراض يقبلها الجوهر من غير مقتض فيما لا يزال ، فاستبان افتراق مذهبنا . ثم نقول : لو تجوزنا فقلنا [ إن ] ثبت الخلق بالقدرة لنفسه ، لم يلزمنا فيه ما يلزمكم لو قلتم إنه قبل العرض لنفسه ، فإنكم لو قلتم ذلك ، لزمكم إثبات ذلك في الأزل ، إذ أثبتم أنفسها في الأزل . ونحن لن نثبت للخلق قبل حدوثه نفسها ، فيلزمنا ما لزمكم ، فاستبان اندفاع السؤال من كل وجه . وإن ينهج الخصم ، فاثبت مخصصا للجواهر بحكم قبول الأعراض ، فقد أجابنا إلى أقصى الغرض ، حيث أثبت مدبرا مخصصا ، وكفانا مئونة التطويل ، وعاد الكلام معه إلى المنهج الذي تكلم به الإسلاميون ، إذا جوزوا تعري الجواهر عن بعض الأعراض أو عن جميعها ، فهذه جمل مقنعة في الرد على الدهرية . فصل [ الرد على المنتمين إلى الإسلام المجوزين عرو الجواهر عن الأعراض ] يشتمل على الرد على المنتمين إلى الإسلام المجوزين عرو الجواهر عن بعض أجناس الأعراض . فمن أوضح الدلالة على استحالة عرو الجواهر عن الأعراض ، اتفاق الكافة على استحالة خلوها منها مع قيامها بها . فكما استحال ذلك بعد قيام الأعراض ، وجبت استحالته في مفتتح الفطرة . وسبيل تجويز الدلالة أن نقول : إذا أحلتم عرو الجواهر عن الأعراض بعد قيامها بها ، فلا تخلون إما أن تقولوا : إن ذلك لنفس الجوهر ، فيلزمكم طرد ذلك في أول الخلق أيضا . وإما أن تقولوا : إن الجوهر لا يخلو عن الأعراض لقبوله لها ، فيلزم طرد ذلك في أول الخلق أيضا . وإن قلتم : إن الجوهر إنما لم يخل عن الألوان بعد قيامها ، لأن اللون الذي قام به