عبد الملك الجويني

73

الشامل في أصول الدين

يخلو عنها ، وسنثبت ذلك إن شاء اللّه . ومما تمسك به القاضي رضي اللّه عنه في الأكوان خاصة أن قال : الكون عند المحققين هو الذي يوجب تخصيص الكائن بحيز وجهة ، وبهذه الصفة تتميز الأكوان عما عداها من أجناس الأعراض ، وإنما يتحقق الاختصاص بالجهة في حق موجود يشغل الحيز . والموجود الذي لا يتحيز ، وليس له جرم يشغل الحيز ، لا يعقل اختصاصه بجهة من الجهات . فإذا لم يتصور في العرض الاختصاص بالجهة ، لم يتصور قيام الكون به ، إذا لو قام به كون من غير اقتضاء تخصيص لأفضى ذلك إلى انقلاب نفسه وخروجه عن جنسه . والذي يحقق ما قلناه تفصيلا أن الأكوان لا تخلو : إما أن تكون حركة ، أو سكونا ، أو اجتماعا ، أو افتراقا . والحركة شغل مكان وتفريغ آخر ، وإنما يتحقق ذلك في الأجرام . والاجتماع تجاور الذاتين وتماسهما ، وإنما يتقدر ذلك في جرمين أيضا ، إذ ما لا جرم له ، لا ينتهي حده إلى حد غيره من غير تداخل . والمتجاوران : هما الذاتان الشاغلتان لحيزين ليس بينهما حيز ، ولا يتحقق ذلك فيما لا شغل له . وكذلك القول في الافتراق والسكون اختصاص بجهة ، فاستبان بذلك استحالة قيام الأكوان بالأعراض جملة وتفصيلا . ومن العمد في المسألة ما تمسك به شيخنا رضي اللّه عنه فقال : لو قام عرض بعرض لم يخل العرض الذي قدر محلا من أمرين : إما أن يكون قائما بنفسه ، وإما أن يكون قائما بالجوهر ، ثم قام العرض الثاني به وهو قائم بالجوهر . فإن قيل : إن العرض الذي قدر محلا قائم بالجوهر ، والعرض الثاني قام بالذي قام بالجوهر ، آل الخلاف إلى عبارة لا محصول لها . فإنه لا معنى لقيام العرض بالجوهر إلا أن يوجد بحيث وجود الجوهر . والعرض الثاني إذا وجد بحيث وجود العرض الأول ، فقد وجد بحيث وجود الجوهر لا محالة . فإن الأول منهما وجد بحيث الجوهر ، ووجد الثاني بحيث الأول ، فقد وجد بحيث الجوهر . ولا فرق بين العرض الثاني والأول ، من حيث أن كل واحد منهما وجد بحيث الجوهر . وهذه صفة لا يتفاوتان فيها ، وهي معنى القيام ، فقد قام إذا كل عرض بالجوهر ، ولم يبق تحت قول القائل ، قام العرض بالعرض ، محصول . ومما يوضح ما قلناه أن العرض الثاني إذا كان في حكم القيام بالجوهر - كما قدرناه - فلو قام بالعرض مع قيامه بالجوهر ، للزم منه قيام واحد بموجودين . ولو جاز ذلك في اثنين ، جاز في الثلاثة فصاعدا . ويلزم منه تجويز قيام عرض واحد بجملة جواهر العالم . فهذا لو زعم الخصم أن العرض الذي قدّر محلا قائم بالجوهر . وإن زعم أنه قائم بنفسه ، كان ذلك محالا ، فإن من صفة العلم أن يعلم به . ولا يخلو